خصومة قريش مع التوحيد، وتسور الخصمين محراب داود، وتخاصم الملأ الأعلى في خلق آدم والدرجات والكفارات، وتخاصم أهل النار في دركات الجحيم.
{وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ}.
تقديم مشهد غيبي مهيب يخلع القلوب ويملأ نفوس القلة المستضعفة في الأرض عزة وسكينة، وهو مشهد حملة العرش الأطهار ومن حوله وهم يسبحون بحمد ربهم، ثم ينعطفون مستغفرين للمؤمنين التائبين داعين لهم بالجنة والوقاية من السيئات وعذاب الجحيم وجمعهم بأهلهم الصالحين: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا...}، ليعلم المؤمن المحارب في الأرض أنه ليس وحده، بل إن صفوة خلق الله في أعظم أرجاء الكون تسأل الله له النجاة والنصرة والجنة.
{وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ}.
إرساء قاعدة قرآنية لا تتخلف في نصرة الرسل والمؤمنين: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ}، وتوضيح أن نصر الدنيا قد يكون بالحجة والبيان، أو بالانتقام من الظالمين، أو باستخلاف أتباعهم وخلود ذكرهم وهدايتهم، ثم بالنصر الأكبر التام في عرصات القيامة.
تقديم مشهد حشري فريد يخلع القلوب؛ حين يحشر أعداء الله إلى النار يوزعون، حتى إذا ما جاؤوها شهدت عليهم أسماعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون؛ فينقلب الكافر معاتباً جسده: {وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ}؛ ليعلم الإنسان أن أجهزته وحواسه التي استعملها في معصية الله ستنقلب عليه شهود عدل تفضح سرائره.
{الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ}.
{إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئًا}.
تفنيد مقولتهم العبثية: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ۚ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ}.
أنهار من ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى.
الاستدلال ببناء السماء ورفعها بلا فروج، وبسط الأرض وإرساء الجبال، وإنزال الماء المبارك وإحياء الأرض الميتة بعد همودها؛ فمن أحيا الهشيم بعد موته قادر بالبداهة العقلية على إعادة الأجساد بعد فنائها.
الافتتاح بالقسم بالقرآن المجيد وموقف المنكرين للبعث*:
عرض درامي يهز الوجدان لـ «سكرة الموت بالحق»، ثم «نفخة الصور»، ومجيء كل نفس معها «سائق وشهيد»، وخصومة الإنسان مع قرينه الشيطاني، والنداء المرعب لجهنم: {هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ}.
مشهد اقتراب الجنة للمتقين الحافظين لعهود الله، وإعلان دخولهم بسلام، وبيان كمال الجزاء الإلهي: {لَهُم مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ}.
نعيم الجنة وبشارة المتقين الأوابين*:
القسم بالرياح، والسحاب الحامل للأمطار، والسفن الجارية، والملائكة المقسمة لأرزاق الخلائق وأقدارهم، للقطع بأن ما يُوعد العباد من بعث وحساب وجزاء صادق واقع لا محالة.
أقسام التكوين وحتمية الجزاء، وأوصاف المتقين، وآيات الآفاق والأنفس والرزق*:
تجلية صفات أهل الجنة الذين استحقوا كرامة ربهم بإحسانهم الدائم، وإحيائهم لليل بالصلاة {كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ}، واستغفارهم الصادق في الأسحار، وإنفاقهم الواجب والمندوب لمن يسأل ومن يتعفف: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ}.
القسم بحتمية الجزاء، عذاب المكذبين، ونعيم المتقين وإكرام الذراري*:
تصوير زلزلة الكون يوم تمور السماء موراً وتسير الجبال سيراً، وسَوْق المكذبين بالدعِّ العنيف إلى نار جهنم وتبكيتهم على تكذيبهم السابق.
مشاهد القيامة وأهوال المور والسير، وموقف المكذبين وهم يُدَعُّون إلى نار جهنم دعّاً مع التقريع: {أَفَسِحْرٌ هَٰذَا أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ}.
حوار أهل الجنة ونجواهم؛ إشفاقهم السابق في الدنيا وتضرعهم، واعترافهم بمنة الله عليهم بوقايتهم من عذاب السموم: {إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ}.
**الأصول الكلية للرسالات** — صحف إبراهيم وموسى، استقلال المسؤولية (ألا تزر وازرة)، وجزاء السعي
*الأصول الكلية للرسالات** — صحف إبراهيم وموسى، استقلال المسؤولية (ألا تزر وازرة)، وجزاء السعي
القطب المقاصدي الحاكم لسورة القمر هو: **«الإنذار الحاسم بدنو القيامة وانخرام نواميس الكون عبر معجزة انشقاق القمر، وتعرية المكابرة النفسية للمكذبين، ومحاكمتهم بوقائع الاستئصال الصاعقة للأمم البائدة، مع إعلان التيسير الرباني للقرآن للذكر والاتعاظ، وتتويج ذلك ببيان قانون القدر الإلهي النافذ، وجزاء المجرمين في سقر والمتقين في مقعد صدق عند مليك مقتدر»**. ---
الإنسان من صلصال كالفخار، والجان من مارج من نار. - ربوبية المشرقين والمغربين وتدبير حركات الفصول والأفلاك. - مرج البحرين (العذب والملح) يلتقيان وبينهما برزخ محكم لا يبغيان. - استخراج اللؤلؤ والمرجان، وتسخير الجوار المنشآت في البحر كالأعلام لنقل الأرزاق والمنافع.
{وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ}، وتفصيل نعيمهما (ذواتا أفنان، عينان تجريان، من كل فاكهة زوجان، الفرش ذات البطائن من إستبرق، الحور قاصرات الطرف كأنهن الياقوت والمرجان)، وإعلان القانون الإلهي الأكبر: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ}.
في جنات النعيم، ثلة من الأولين وقليل من الآخرين، على سرر موضونة، ولدان مخلدون، خمور طاهرة لا صدداع فيها ولا استنزاف، فاكهة ولحم طير مما يشتهون، حور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون، ودار سلام ليس فيها لغو ولا تأثيم.
في سدر مخضود، وطلح منضود، وظل ممدود، وماء مسكوب، وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة، وفرش مرفوعة، وأزواج مطهرات أنشئن إنشاءً بكراً عُرُباً أتراباً، ثلة من الأولين وثلة من الآخرين.
في سموم وحميم، وظل من يحموم لا بارد ولا كريم، وبيان سبب هلاكهم: الاستغراق في الترف، الإصرار على الحنث العظيم (الشرك وإنكار البعث)، ثم طعامهم من شجر الزقوم وشرابهم من الحميم كشرب الهيم العطاش.
{أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ}.
فروح وريحان وجنة نعيم.
مشهد النور والسور وحوار الفريقين يوم القيامة.
عرضت السورة مشهداً فارقاً يوم القيامة يسعى فيه نور المؤمنين بين أيديهم وبأيمانهم، بينما يُضرب بين الفريقين سورٌ له باب؛ فالنور الذي اكتُسب في الدنيا بالإيمان والصدق هو رأس المال يوم لا ينفع مال.
نقلت السورة الخطاب من وقائع الخارج إلى داخل النفس المؤمنة: {وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ}، وحذّرت من أخطر عقوبة وهي أن ينسى المرء نفسه جزاء نسيانه ربه.