تفنيد مقولة الجاهلية: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ}، وتقرير أن الشفاعة لله جميعاً.
افتتاح السورة بالتقرير الجازم أن هذا القرآن تنزيل من الرحمن الرحيم؛ كتاب مبين مفصل الآيات، عربي اللسان، واضح الدلالة، جامع للبشارة والنذارة؛ ومع ذلك استكبر المشركون ووضعوا بينه وبين قلوبهم موانع نفسية مفتعلة: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ}.
تقديم تقرير كوني بديع ومحكم في مراحل خلق الأرض في يومين، وتقدير أقواتها وبركتها وإرساء جبالها في أربعة أيام سواء للسائلين، ثم استواء الخالق إلى السماء وهي دخان، وإذعان الكون كله لله طوعاً: {فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ}، وقضاء سبع سموات في يومين؛ في محاكمة عقلية تسقط كبرياء المشرك الذي يكفر بالذي خلق الأرض في يومين ويجعل له أنداداً.
المحاكمة العقلية الساحقة بسلسلة الاستفهامات الإنكارية الخمسة عشر: (أم خلقوا من غير شيء؟ أم هم الخالقون؟ أم خلقوا السموات والأرض؟ أم عندهم خزائن ربك؟ أم هم المصيطرون؟ أم لهم سلم يستمعون فيه؟ أم له البنات ولكم البنون؟ أم تسألهم أجراً؟ أم عندهم الغيب؟ أم يريدون كيداً؟ أم لهم إله غير الله؟ سبحان الله عما يشركون).
عناد المشركين المستحكم حتى لو رأوا كسفاً من السماء ساقطاً، وأمر النبي بتركهم حتى يلاقوا يومهم الذي يصعقون، وبيان عذابهم الأدنى قبل الأكبر.
**تهافت الوثنية والأوهام** — المفارقة الصادمة: اللات والعزى ومناة، دحض الشرك وقسمة ضيزى
*تهافت الوثنية والأوهام** — المفارقة الصادمة: اللات والعزى ومناة، دحض الشرك وقسمة ضيزى
في سموم وحميم، وظل من يحموم لا بارد ولا كريم، وبيان سبب هلاكهم: الاستغراق في الترف، الإصرار على الحنث العظيم (الشرك وإنكار البعث)، ثم طعامهم من شجر الزقوم وشرابهم من الحميم كشرب الهيم العطاش.
أَلَكم كتاب تدرسون فيه ما تدّعون؟ أَلكم أيمان علينا؟ أَلكم شركاء يشهدون؟ أعندكم علم الغيب؟ فتُغلق أمامهم كل منافذ الاحتجاج واحداً بعد واحد.
بيّنت السورة أن الوثنية لم تبدأ بتعظيم الحجارة، بل بالغلو في الصالحين وتخليد ذكرهم بالتماثيل، ثم بطول العهد ودروس العلم صارت أوثاناً تُعبد؛ وهذه أدق آية في القرآن في تشريح ولادة الشرك.
افتتحت السورة بأسلوب الاستفهام التهويلي المنكر لتساؤل المشركين وتشكيكهم في البعث والقرآن، ثم تعقيب ذلك بالردع والتهديد المتكرر: {كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ}، إيذاناً بأن الحقيقة ستنكشف لهم عياناً حين يفوت الأوان.
تكرار {وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ} مرتين لتعجيز الإدراك عن بلوغ كنهه، ثم بيان خاصته الفارقة: {يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ}؛ فانقطعت كل وساطة يعوّل عليها المشركون.
القسم الثاني بالسماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع جواب عن دعوى المشركين أن القرآن أساطير وسحر وشعر: {إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ}؛ فالقرآن قاطع في بابه، جادّ في مقصده، لا يحتمل المزاح ولا يُتخذ موضعاً للاستهزاء.
{إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا}؛ فالمشركون يدبرون في الخفاء لإطفاء النور، والله يدبر لهم في الخفاء ما يجعل تدبيرهم وبالاً عليهم؛ وفي هذه الموازنة تثبيت للدعاة في كل عصر.
{وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}؛ وهي منّة يقابل بها ما قصده المشركون من الوضع والحط؛ فكان الرد على تحقيرهم برفع لا ينقطع ما دام في الأرض من يشهد الشهادتين ويؤذَّن للصلاة.
افتتحت السورة ببيان أن الكفار من أهل الكتاب والمشركين لم يكونوا ليُتركوا على حالهم من غير إنذار، ولا ليُؤاخذوا قبل مجيء الحجة؛ فقُدّم أصل العدل قبل أصل الجزاء؛ وهو ترتيب يسد باب الاحتجاج على الله.
جاء الأمر {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ}؛ فعُلّق استحقاق العبادة بوصف الربوبية على البيت الذي به شرفهم وبه معاشهم؛ فسُدّت عليهم كل ذريعة إلى صرف العبادة لغيره؛ إذ الأصنام التي حول البيت لم تُطعم ولم تُؤمّن.
تقدمت سورة الفيل بمشهد إهلاك من قصد البيت بسوء؛ فجاءت هذه السورة تبيّن أن ذلك الدفع كان صيانة لبيت الله ولمصلحة أهله، لا إقراراً لهم على شركهم؛ فمن ظن أن نجاته من الفيل شهادة له بالرضا فقد عكس دلالة الحادثة.
وصف المشركون النبي ﷺ بالبتر، وهو الانقطاع والقلة؛ فجاء الجواب بلفظ يفيد الكثرة الغالبة الجامعة، ولم يقتصر على نفي البتر؛ لأن نفي النقص لا يبلغ مبلغ إثبات الوفرة.
فرَّعت السورة على العطاء أمرين بالفاء: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}؛ فجعلت الشكر عملاً بدنياً ومالياً معاً، وحصرته في وجهة واحدة هي وجه الرب سبحانه؛ فقُوبل شرك المشركين في الذبح والنسك بتوحيد خالص في العبادتين.
لم تنفِ السورة اتحاد الجهة فحسب، بل نفت اتحاد الفعل ونوعه؛ فالكافر لا يعبد الله ولو زعم أنه يعبده، لأن عبادته مقرونة بالشرك، وصورة الفعل لا تكفي دون تحقق شرطه.
العرض الذي جاء به المشركون هو أقدم صور المساومة على الدين: أن يُؤخذ من كل ملة طرف ويُبنى منها دين ثالث؛ فردَّت السورة هذا العرض رداً باتاً، وقررت أن التوحيد لا يقبل الشركة ولو في لحظة واحدة.
فالأحدية أخصّ من الواحدية؛ إذ الواحد قد يُثنّى ويُجمع وتنقسم أجزاؤه، والأحد لا يقبل الانقسام في ذاته ولا الشركة في ربوبيته ولا النظير في ألوهيته.
{لَمْ يَلِدْ} يهدم عقيدة من زعم لله ولداً من مشركي العرب والنصارى واليهود، {وَلَمْ يُولَدْ} يهدم دعوى الحدوث والأصل والانبثاق عن غيره؛ فثبتت له الأولية والأزلية والغنى المطلق.
{وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} يقطع دابر التشبيه والتمثيل في الذات والصفات، ويسدّ باب اتخاذ الأنداد والشفعاء والوسائط والصاحبة والنظير.