{مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ}، وجاء الجواب الإلهي الصاعق في خواتيم السورة: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ}، والاستدلال بإخراج النار من الشجر الأخضر، وخلق السماوات والأرض، وختام السورة بتقرير نفوذ كلمة «كن» المطلقة وتنزيه مالك الملكوت: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}.
النداء الرباني المفعم بالرحمة: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}.
فضح دور قرناء السوء الذين قيضهم الله للمستكبرين فزينوا لهم أعمالهم السيئة وأوردوهم موارد الهلاك: {وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ}.
التوكل، اجتناب الكبائر والفواحش، المغفرة عند الغضب، الاستجابة لله، إقامة الصلاة، الشورى، الإنفاق، والانتصار للحق دون بغي.
{إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ}.
{هَٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ ۚ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}.
استهلال السورة بالبشائر الربانية الخمس لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين.
مشهد اقتراب الجنة للمتقين الحافظين لعهود الله، وإعلان دخولهم بسلام، وبيان كمال الجزاء الإلهي: {لَهُم مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ}.
تجلية صفات أهل الجنة الذين استحقوا كرامة ربهم بإحسانهم الدائم، وإحيائهم لليل بالصلاة {كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ}، واستغفارهم الصادق في الأسحار، وإنفاقهم الواجب والمندوب لمن يسأل ومن يتعفف: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ}.
بسط مشاهد الإكرام في الجنات والعيون والسرر المصفوفة والحور العين، وتقرير القاعدة الربانية الرحيمة في إلحاق الذرية الصالحة بالآباء في الدرجات العلى إكراماً لهم دون نقص من أجورهم.
القطب المقاصدي الحاكم لسورة القمر هو: **«الإنذار الحاسم بدنو القيامة وانخرام نواميس الكون عبر معجزة انشقاق القمر، وتعرية المكابرة النفسية للمكذبين، ومحاكمتهم بوقائع الاستئصال الصاعقة للأمم البائدة، مع إعلان التيسير الرباني للقرآن للذكر والاتعاظ، وتتويج ذلك ببيان قانون القدر الإلهي النافذ، وجزاء المجرمين في سقر والمتقين في مقعد صدق عند مليك مقتدر»**. ---
رج الأرض، تفتيت الجبال ودكها حتى تصير هباءً منبثاً، وانقسام الناس إلى ثلاثة أصناف لا رابع لها: السابقون المقربون، أصحاب اليمين، وأصحاب الشمال.
في سموم وحميم، وظل من يحموم لا بارد ولا كريم، وبيان سبب هلاكهم: الاستغراق في الترف، الإصرار على الحنث العظيم (الشرك وإنكار البعث)، ثم طعامهم من شجر الزقوم وشرابهم من الحميم كشرب الهيم العطاش.
نصّت السورة على أن المال في يد العبد أمانة لا ملكاً مستقلاً: {وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ}، وقرّرت أن الله وارث السماوات والأرض؛ فما يُمسكه الممسك سيؤول إلى مالكه الحق، فالإمساك حرمانٌ لا حفظ.
الأمر بالإيمان والإنفاق وتقرير الاستخلاف وتفاضل السابقين.
بيّنت السورة أن أعمال البر لا تُقاس بصورتها الظاهرة فحسب، بل بزمنها وظرفها وما يحفّها من عسر: {لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ}، مع حفظ الفضل للجميع: {وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ}.
عرضت السورة مشهداً فارقاً يوم القيامة يسعى فيه نور المؤمنين بين أيديهم وبأيمانهم، بينما يُضرب بين الفريقين سورٌ له باب؛ فالنور الذي اكتُسب في الدنيا بالإيمان والصدق هو رأس المال يوم لا ينفع مال.
افتُتحت السورة بأعلى ما يمكن أن تُكرَّم به دعوى ضعيف؛ إذ نزل الوحي من فوق سبع سماوات في قضية امرأة واحدة، وسُمّيت السورة باسمها؛ فتقرر أن الضعف ليس مسوّغاً لإهمال الحق.
عاقبة المحادّة وإحصاء الأعمال.
حكمٌ نزل ليمتحن الصدق ويقلّل الإكثار على النبي ﷺ، ثم رُفع تخفيفاً؛ وفيه بيان أن التكليف يُقصد به التربية لا الإعنات.
جاءت في سياق المال قاعدة كلية تحكم الدين كله: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا}؛ فربطت طاعة المال بطاعة الوحي، وجعلت السنة مصدراً ملزماً لا يُستدرك عليه.
شرعت السورة امتحان المهاجرات صيانة لهن من الرد إلى من يفتنهن، وقررت انفصام العصمة بين المؤمنة والكافر، ورتبت على ذلك أحكاماً مالية دقيقة في رد المهور والتعويض المتبادل.
التجارة المنجية من العذاب الأليم وأرباحها العاجلة والآجلة.
عرض الإيمان والجهاد في صورة صفقة تجارية مربحة، بيان لرأس مالها وثمنها وربحها العاجل والآجل، ثم ختم السورة بنداء الاقتداء بالحواريين في نصرة دين الله حتى يصبح أهل الحق ظاهرين.
تحذير المؤمنين من باب الفتنة، والأمر بالإنفاق قبل فوات الأوان، وحتمية الأجل.
ختمت السورة بنداء المؤمنين ألا تلهيهم أموالهم وأولادهم عن ذكر الله، وبالأمر بالإنفاق قبل حضور الأجل؛ فكان علاج الداء في أصله: تعلق القلب بالمال الذي هو أول ما يفتح باب النفاق.
{خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ}، {يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}؛ فمن خلق بالحق لا يترك خلقه سدى، ومن أحاط علماً لا يعجزه إحصاء الأعمال.
فتنة الأزواج والأولاد والأموال، والوصايا الجامعة، وختم بالأسماء الحسنى.
تحذير من عداوة تصدر من أقرب قريب، مع فتح باب العفو والصفح، وتقرير أن المال والولد فتنة أي ابتلاء يُمتحن به العبد، وأن ما عند الله خير وأبقى.
التقوى بحسب الوسع، والسمع والطاعة، والإنفاق، والنجاة من شح النفس، وإقراض الله قرضاً حسناً؛ ثم الختم بأربعة أسماء جامعة: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}.
{وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ}؛ فالعدة حق مشترك لا يجوز إهماله ولا التلاعب به؛ ثم زاد الإشهاد: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ}؛ فلا يقع الفراق في الخفاء لتضيع به الحقوق.
افتتحت السورة بالقسم الجليل {ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ}، ثم جاء النفي القاطع للتهمة {مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ}، ثم تقرير الأجر الدائم {وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ}، ثم أعلى ما وُصف به بشر في كتاب الله: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ}. فانتقل البيان من نفي النقص إلى إثبات الكمال، وهذا أبلغ من الاقتصار على النفي.
القسم وتبرئة النبي ﷺ وتقرير كمال خُلقه ورد الحكم إلى الله.
{يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ}؛ ثم قُسّم الناس بأسلوب «أمّا... وأمّا» قسمة حاسمة لا ثالث لها: آخذ كتابه بيمينه يهتف بالبشرى {هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ}، وآخذ كتابه بشماله يتمنى العدم {يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ}. وعُلّل عذاب الثاني بعلتين لا ثالثة لهما في السياق: خلل في حق الله {إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ}، وخلل في حق الخلق {وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ}.
{إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا} تفسير نفسي عميق لموقف المستعجل؛ فالهلع جزع عند الشر ومنع عند الخير، وهو اضطراب في العلاقة بالزمن وبالمال معاً؛ فمن جزع لم يصبر على البلاء، ومن منع لم يشكر في الرخاء، ومن فقد الصبر والشكر فقد فقد طرفي الإيمان.
الاستثناء {إِلَّا الْمُصَلِّينَ} يفتح باباً لتسع خصال جامعة بين حق الله وحق العباد وحق النفس: دوام الصلاة، وحق المال المعلوم، والتصديق بيوم الدين، والإشفاق من العذاب، وحفظ الفرج، ورعاية الأمانة والعهد، والقيام بالشهادة، والمحافظة على الصلاة. فبُدئت السلسلة بالصلاة وخُتمت بها؛ إشارة إلى أنها السياج الذي يحوط سائر الخصال.
ربطت السورة بين الاستغفار وبين إرسال المطر مدراراً، وإمداد الأموال والبنين، وإنشاء الجنات والأنهار؛ فقررت أن للذنوب أثراً في قحط الأرض وضيق المعاش كما لها أثر في عذاب الآخرة.
ختم السورة بأطول آية فيها ترفع الحرج وتردّ الأمر إلى الميسور: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ}، مع تعليل التخفيف بأعذار الأمة من مرض وسفر وجهاد، ثم إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والقرض الحسن والاستغفار.
انتقل السياق من التقرير الكلي إلى نموذج حي مفصَّل: رجل خلقه الله وحيداً فرداً لا مال له ولا ولد، ثم بسط له المال الممدود والبنين الشهود والجاه الممهَّد، فقابل النعمة بالعناد. وقد أطبق المفسرون على أن المراد به الوليد بن المغيرة المخزومي؛ ذكر ذلك ابن أبي حاتم في تفسيره عن سعيد بن جبير، ونصَّ عليه الطبري وابن كثير والقرطبي عند تفسير هذه الآيات. وعُرض في الآيات (18 - 25) سُلَّم مكابرته درجةً درجةً بـ"ثم": فكَّر، فقدَّر، فنظر، فعبس، فبسر، فأدبر، فاستكبر، فنطق بالكلمة الآثمة.
أعمال الأبرار وتفصيل نعيمهم.