كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ
كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ
ينتقل السياق إلى القيامة الصغرى بردع جديد: {كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن {كَلَّا} ردع وزجر عما هم عليه من محبة العاجلة؛ وأن المعنى: إذا بلغت النفس التراقي؛ وأضمر النفس لدلالة الكلام عليها. وروى عن قتادة قوله: هذا ابن آدم إذا بلغت نفسه حلقومه. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن المعنى: إذا بلغت الروح التراقي وهي عظام أعلى الصدر؛ وهذه حال الاحتضار. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية السادسة والعشرين من السورة، أن "التراقي" جمع ترقوة، وهي العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق؛ ولكل إنسان ترقوتان؛ وأن بلوغ الروح إليها كناية عن مشارفة الموت. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، إلى أن حذف الفاعل مع دلالة السياق عليه من دقائق البلاغة؛ إذ صار المشهد معروفاً بمجرد ذكر التراقي، فلا حاجة إلى التصريح.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تنتقل السورة هنا نقلة بديعة: من مشهد يوم القيامة الكبرى إلى مشهد القيامة الصغرى؛ وذلك أن الأول بعيد في أوهامهم، والثاني قريب لا ينكره أحد. فكأنه قيل: إن استبعدتم ذلك اليوم فهذا ما لا تستبعدونه ولا تجدون عنه مفراً. وهذا المشهد يستغرق خمس آيات (26 - 30)، وينتهي بقوله: {إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ}؛ وهو نظير ما ختم به مشهد المحشر: {إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ}؛ فتناظر المشهدان في بنائهما وفي خاتمتهما.