وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ
وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ
يقابل السياق فريق السعادة بفريق الشقاء: {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: ووجوه يومئذ كالحة عابسة قد تغيّرت وأظلمت؛ وروى عن قتادة والسدي وابن زيد أن البسور هو الكلوح والعبوس. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن المراد وجوه الفجار يوم القيامة، وأنها عابسة كالحة مسودة. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية الرابعة والعشرين من السورة، أن "البسور" في اللغة: شدة العبوس وتغير الوجه؛ يقال: بسر وجهه يبسر بسوراً إذا اشتد عبوسه؛ ومنه قوله تعالى في وصف الوليد: {ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ}. وقرر البغوي في "معالم التنزيل"، عند تفسير هذه الآية، أن البسور فوق العبوس؛ فالعابس من ظهر في وجهه أثر الكراهة، والباسر من اشتد ذلك فيه حتى تغيّر لونه. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية، إلى أن المقابلة بين الوصفين مقصودة في النظم؛ فالنضرة إشراق وبهاء، والبسور انقباض وتكدر؛ فتقابلا في الهيئة كما تقابل أصحابهما في العمل.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية في مقابلة تامة للآية الثانية والعشرين؛ حتى في عدد الكلمات وموقع الظرف؛ فقيل هناك: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ}، وقيل هنا: {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ}؛ ثم أُتبعت كل واحدة بجملة تبيّن سببها. وهذا التماثل في البناء مع التضاد في المعنى من أدق ما في نظم القرآن. ثم إن هذا التقسيم يعود بالقارئ إلى ما تقدم في السورة من ذكر محبة العاجلة وترك الآخرة؛ فالصنفان هنا ثمرة الموقفين هناك.