فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ
فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ
تُذكر ثمرة التسوية وتمام الحكمة: {فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: فجعل من الماء أو من الإنسان الصنفين: الذكر والأنثى. وروى عن قتادة نحو ذلك. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن المراد: فجعل من جنس الإنسان الذكر والأنثى؛ وهو دليل على تمام القدرة؛ إذ المادة واحدة والنتيجة مختلفة. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية التاسعة والثلاثين من السورة، أن "الزوجين" يُطلق على الصنفين المتقابلين؛ وأن كل واحد من الذكر والأنثى يسمى زوجاً بالنسبة إلى الآخر. وقرر السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذه الآيات، أن في اختلاف الصنفين مع اتحاد الأصل آية باهرة على أن ذلك بتقدير عزيز عليم لا باتفاق. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، إلى أن ذكر الزوجين في خاتمة سلسلة الخلق تنبيه على أن الحكمة لم تقف عند إيجاد الفرد، بل امتدت إلى بقاء النوع؛ وهذا أدل على انتفاء العبث.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه آخر حلقة في سلسلة البرهان قبل السؤال الختامي؛ وقد ارتقى السياق من إيجاد الفرد إلى استمرار النوع؛ فبعد أن ذكر خلق الإنسان وتسويته، ذكر ما به بقاء جنسه. وهذا الترتيب يُحكم الجواب عن قوله: {أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى}؛ فالذي رتّب الخلق هذا الترتيب، وجعل فيه ما يضمن استمراره، لا يُتصور أن يكون قد خلقه عبثاً. ثم جاءت الخاتمة: {أَلَيْسَ ذَٰلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ}؛ فاسم الإشارة {ذَٰلِكَ} يعود على كل ما تقدم من هذه المراحل مجموعة.