ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ
ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ
تُختم مراتب الضمان بالتكفل بالبيان: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}. جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما المخرَّج في "صحيح البخاري" في كتاب بدء الوحي وفي كتاب التفسير عند تفسير سورة القيامة، وفي "صحيح مسلم" في كتاب الصلاة، تفسيرها بقوله: "ثم إن علينا أن نبيّنه". وقرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: ثم إن علينا تبيين ما فيه من الحلال والحرام والأحكام؛ وذكر وجهاً آخر: أن المراد بيان اللسان بعد الجمع في القلب؛ أي إجراؤه على لسانك. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن المراد: بعد حفظه وتلاوته نبيّنه لك ونوضحه ونلهمك معناه على ما أردنا وشرعنا. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية التاسعة عشرة من السورة، هذه الوجوه؛ وقرر أن الأشهر أن المراد بيان معانيه وأحكامه. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، إلى أن {ثُمَّ} هنا للتراخي الرتبي؛ لأن البيان أعلى رتبة من مجرد الحفظ والتلاوة؛ فالمعاني ثمرة المباني.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): بهذه الآية يكتمل بناء المقطع على أربع مراتب: الجمع، فالإقراء، فالاتباع، فالبيان. وقد جاء البيان آخراً لأنه ثمرة ما قبله؛ إذ لا يُبيَّن ما لم يُحفظ ويُتلَ. ثم يعود السياق بعد هذه الآية إلى موضوع السورة الأصلي بقوله: {كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ}؛ فبعد أن قرر سلامة طريق الخبر انتقل إلى تشخيص علة رفضه. وفي هذا الترتيب حجة عملية: أُثبتت صحة المصدر أولاً، ثم كُشف أن رفضهم لم يكن لخلل في المصدر بل لهوى في النفس.