بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ
بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ
يأتي الجواب مصحوباً بالترقي في البرهان: {بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن {بَلَىٰ} إثبات لما نفوه؛ أي بلى نجمعها، ثم أخبر أنه قادر على ما هو أدق من الجمع وهو تسوية البنان. وروى عن ابن عباس رضي الله عنهما وعن مجاهد وقتادة أن المعنى: نقدر على أن نجعل أصابعه ونؤلف بينها على هيئتها التي كانت عليها. وذكر وجهاً آخر مرويّاً عن ابن عباس أيضاً: أن المعنى: قادرين على أن نجعل بنانه كخُفّ البعير أو حافر الحمار مستوياً لا يتصرف به في المنافع، فيكون في الآية امتنان مع الوعيد؛ ورجّح الطبري القول الأول لموافقته سياق البعث. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن المعنى: بلى نقدر على جمع عظامه ولو شئنا لسوّينا أطراف أصابعه على ما كانت عليه في دقتها وصغرها. وبيّن القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير هذه الآية، أن ذكر البنان لأنه أصغر العظام وأدقّها وأكثرها عدداً وأشدّها تركيباً؛ فالتنبيه به على القدرة أبلغ. وذكر ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الرابعة من السورة، أن الانتقال من الجمع إلى التسوية ترقٍّ في الاحتجاج؛ لأن الجمع ضمّ إجمالي، والتسوية إتقان تفصيلي، والقادر على الإتقان أقدر على الضم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت الآية جواباً مباشراً للاستفهام الإنكاري قبلها، لكنها لم تقف عند حدّ ردّ الدعوى، بل تجاوزتها إلى ما هو أعلى؛ فالسؤال كان عن جمع العظام، والجواب أثبت القدرة على تسوية البنان. وهذا الأسلوب يسمّى الترقي في الحجة؛ إذ لو اقتصر على قوله "بلى نجمعها" لكفى في الجواب، لكنه زاد ما يقطع كل تردد. ثم إن ذكر التسوية والإتقان هنا يمهّد لخاتمة السورة: {فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ}؛ فلفظ التسوية يتردد في أول الاحتجاج وآخره، ويربط بين النشأة الأولى والنشأة الآخرة برباط واحد.