إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ
إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ
بعد نفي كل ملجأ يُثبت المرجع الحق: {إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: إلى ربك يا محمد يومئذ مستقر العباد ومنتهاهم؛ فلا مفزع لهم إلا إليه ولا منتهى لهم سواه. وروى عن قتادة وابن عباس رضي الله عنهما نحو هذا؛ وذكر أن معناه: إليه المرجع والمصير والمنتهى، لا إلى أحد سواه. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن المعنى: المرجع والمصير إلى الله يوم القيامة، فيحكم بين خلقه بعدله. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية الثانية عشرة من السورة، أن "المستقر" موضع الاستقرار؛ وقيل: المصدر؛ أي إليه الاستقرار؛ وأن المراد أن مصير الخلق إلى حكمه وقضائه. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، إلى أن تقديم الجار والمجرور {إِلَىٰ رَبِّكَ} على المبتدأ يفيد القصر؛ أي إليه لا إلى غيره؛ وأن إضافة الرب إلى ضمير المخاطب فيها تشريف للنبي ﷺ وتثبيت له.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تمثل هذه الآية النصف المثبِت من الجواب بعد النصف النافي؛ فقيل: لا وزر، ثم قيل: إلى ربك المستقر. فاجتمع في جوابين متتابعين نفي الملاذ الباطل وإثبات الملاذ الحق. وسيتكرر هذا التركيب بعينه في مشهد الاحتضار: {إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ}؛ فالمستقر غاية والمساق طريق إليها؛ وبين الموضعين تناظر يجعل القيامة الصغرى والكبرى منتهيتين إلى الله وحده. ثم إن هذه الآية تمهد لما بعدها من الإنباء بالأعمال؛ إذ الاستقرار بين يديه يعقبه العرض والحساب.