وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ
وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ
تأتي العلامة الثالثة أعظم من سابقتيها: {وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن أهل التأويل قالوا: يُجمع بينهما فيُقرن أحدهما إلى الآخر؛ وروى عن ابن عباس رضي الله عنهما وعن مجاهد وقتادة معنى الجمع بينهما في ذهاب الضوء؛ أي يُجمعان في الطمس والتكوير فلا ضوء لواحد منهما. ونقل قولاً آخر: أن الجمع بينهما اقترانهما في المطلع بعد أن كانا لا يجتمعان. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن المعنى: جُمع بينهما فلا يفترقان، وذهب ضوءهما جميعاً. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية التاسعة من السورة، وجوهاً منها: أنهما يجتمعان أسودين مكوّرين؛ ومنها أنهما يُجمعان ثم يُقذفان. وبيّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، أن الجمع كناية عن اختلال نظام سيرهما الذي جُعل آية لمعرفة الحساب والزمن؛ إذ كان تعاقبهما هو أصل التوقيت في حياة الناس، فإذا اجتمعا بطل التوقيت وانتهى أمر الدنيا.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): بلغ المشهد ذروته بهذه الآية؛ فالانتقال كان من انفعال الحاسة (برق البصر)، إلى ذهاب نور أحد النيّرين (خسف القمر)، إلى اضطراب النظام كله (جمع الشمس والقمر). وبهذا الترتيب تكتمل صورة انهيار المألوف الذي كان الإنسان يقيس عليه ثباته وأمنه. ثم يأتي جواب الشرط في الآية بعدها {يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ} فيكشف أثر هذه المشاهد في نفسه. وثمة تناسب دقيق آخر: هو سأل عن ميقات القيامة، فأُجيب بذكر انهيار الشمس والقمر اللذين بهما يُعرف الميقات؛ فكأنه قيل: إن الأداة التي تسأل بها عن الوقت هي نفسها ستبطل يومئذ.