وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ
ينتقل السياق إلى مشهد المصير فيبدأ بأهل السعادة: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: وجوه أهل الإيمان يوم القيامة مشرقة حسنة ناعمة؛ وروى عن الحسن وقتادة وابن عباس رضي الله عنهما نحو ذلك؛ قالوا: نضرت بالنعيم. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن النضرة الحسن والبهاء والإشراق. وبيّن القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية الثانية والعشرين من السورة، أن "النضرة" في اللغة: النعمة والبهجة وحسن اللون؛ يقال: نضر وجهه ينضر نضارة إذا حسن وأشرق. وقرر البغوي في "معالم التنزيل"، عند تفسير هذه الآية، أن نضارة الوجوه أثر من آثار ما هم فيه من النعيم؛ وقيل: هي من أثر النظر إلى وجه الله الكريم كما دلّت عليه الآية بعدها. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، إلى أن التنكير في {وُجُوهٌ} للتنويع؛ أي فريق من الوجوه، ثم قابله بقوله: {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ}؛ فانقسم الخلق قسمين لا ثالث لهما.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتقل السياق من ذكر سبب الشقاء (محبة العاجلة وترك الآخرة) إلى ذكر المصير؛ فبدأ بأهل النعيم تشويقاً قبل التهديد؛ وهذا كثير في القرآن. ثم إن هذا المشهد جاء بعد ذكر إيثار العاجلة ليقيم المقابلة الكبرى: أولئك طلبوا نضارة الوجه في الدنيا بمتاعها العاجل، وهؤلاء نالوا نضارة لا تزول. وهذه الآية موصولة بالآية بعدها وصلاً لا ينفك: {إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}؛ فالنضرة سبب ومسبب: سببها الإيمان والعمل، وثمرتها العليا النظر إلى وجه الله.