كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ
كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ
يعود السياق إلى قضية السورة كاشفاً عن العلة الحقيقية للتكذيب: {كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن {كَلَّا} ردع لهم عن حالهم؛ والمعنى: ليس الأمر كما تدّعون من أن إنكاركم عن حجة، بل أنتم تحبون الدنيا العاجلة وتؤثرونها. وروى عن قتادة وابن زيد نحو هذا. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن المعنى: إنما يحملكم على تكذيب البعث حبكم للدنيا وإقبالكم عليها. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية العشرين من السورة، أن "العاجلة" صفة قامت مقام الموصوف؛ أي الحياة العاجلة أو الدار العاجلة. وقرر السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذه الآيات من سورة القيامة، أن هذا هو الداء الذي منع القوم من الإيمان: محبة العاجلة وإيثارها على الآجلة. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، إلى أن الالتفات من الغيبة إلى الخطاب في {تُحِبُّونَ} فيه مواجهة لهم بما استكنّ في نفوسهم، وهو أشد في التوبيخ من الحديث عنهم بضمير الغائب.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): بعد الفراغ من مقطع الوحي يعود السياق إلى محور السورة بردع جديد؛ وهذه هي {كَلَّا} الثانية في السورة. وموقعها بديع: فبعد أن تقرر أن الخبر موثوق الطريق مضمون البيان، لم يبق للمنكر عذر إلا الهوى؛ فجاء الكشف عنه. وهذه الآية تفسير لما أُجمل في أول السورة: {بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ}؛ فما هناك إجمال وما هنا تفصيل. ثم تأتي الآية بعدها {وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ} لتتم المقابلة؛ فالمحبة لشيء تستلزم ترك ضده، والداء واحد له وجهان.