وَخَسَفَ الْقَمَرُ
وَخَسَفَ الْقَمَرُ
تتوالى العلامة الثانية في المشهد: {وَخَسَفَ الْقَمَرُ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن معنى {خَسَفَ}: ذهب ضوءه فأظلم؛ وروى عن مجاهد وقتادة أن المراد ذهاب نوره بالكلية لا خسوفه المعتاد. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن المراد ذهاب سلطانه وضوئه ونوره يوم القيامة؛ نظير قوله تعالى: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ}. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية الثامنة من السورة، أن أهل اللغة يقولون: خسف القمر إذا ذهب ضوءه، وكسفت الشمس كذلك، وقد يُستعمل كل منهما موضع الآخر؛ وأن المراد هنا الذهاب التام لا الجزئي. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، إلى أن اختيار القمر بالذكر أولاً لأنه أظهر ما يعرفه الناس من الآيات المتغيرة؛ فقد ألفوا خسوفه العارض في الدنيا، فجاء الإخبار بخسوف لا انجلاء بعده ليكون أوقع في نفوسهم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية حلقة ثانية من ثلاث حلقات في الشرط: البصر، ثم القمر، ثم اجتماع النيّرين. وقُدّم القمر على الشمس هنا؛ لأن الحديث عن ذهاب الضوء، والقمر هو المشهور بالخسوف عند العرب؛ ثم لما جاء ذكر الاجتماع في الآية بعدها قدّم الشمس: {وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ}؛ لأن الشمس هي الأصل في الضياء والقمر مستمد منها؛ فترتيب التقديم والتأخير جارٍ على مقتضى المعنى في كل موضع. وهذه المشاهد جميعاً تمهيد لجواب الشرط في الآية العاشرة؛ فطول الشرط وتوالي علاماته يزيد الجواب هولاً حين يجيء.