وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ
وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ
تتوالى مشاهد الاحتضار: {وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن أهل التأويل اختلفوا على قولين: فقال بعضهم: قال من حضره من أهله بعضهم لبعض: من يرقيه ويطبّه لعله يُشفى؛ وروى ذلك عن قتادة والضحاك؛ وقال آخرون: قالت الملائكة: أيّهم يرقى بروحه؟ أملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟ وروى ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما وأبي قلابة. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن المعنى المشهور: من يرقيه من الأطباء والراقين؛ أي التمسوا له كل سبب فلم ينفعه شيء. وبيّن القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية السابعة والعشرين من السورة، القولين، وقرر أن الأول أشهر وأنسب بحال أهل المريض. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، إلى أن بناء الفعل للمجهول في {وَقِيلَ} يفيد أن القائل غير معيّن؛ فيصلح للجميع؛ وهذا يجمع بين القولين ولا يعارض واحداً منهما.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت الآية بعد بلوغ الروح التراقي لتصور رد فعل من حول المحتضر؛ فالمشهد يتنقل بين ثلاثة أطراف: الجسد (بلغت التراقي)، ومن حوله (وقيل من راق)، ثم المحتضر نفسه (وظن أنه الفراق)، ثم الجسد ثانية (والتفت الساق بالساق)، ثم الغاية (إلى ربك يومئذ المساق). وهذا التنقل السريع يشبه لقطات متتابعة تُري القارئ المشهد من كل زاوية. ثم إن السؤال هنا هو ثالث سؤال في السورة بعد {أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ} و{أَيْنَ الْمَفَرُّ}؛ وكلها أسئلة لا تجد جواباً ينفع صاحبها.