إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ
إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ
يُختم مشهد الاحتضار بتقرير الغاية: {إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: إلى ربك يا محمد يومئذ مساق هذا الذي بلغت نفسه تراقيه؛ يُساق إليه فيجازيه بعمله. وروى عن قتادة قوله: إلى الله المصير والمرجع والمنتهى. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن المعنى: المرجع إلى الله والمصير إليه. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية الثلاثين من السورة، أن "المساق" مصدر ميمي من "ساق يسوق"؛ أي إلى الله سوق العباد وحشرهم. وقرر السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذه الآيات، أن العبد يُساق بعد موته إلى ربه ليجازيه بأعماله؛ فالعمل في الدنيا والحساب هناك. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، إلى أن تقديم الجار والمجرور {إِلَىٰ رَبِّكَ} يفيد القصر كما في نظيرتها المتقدمة في السورة؛ فلا مساق إلى غيره.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية نظيرة قوله في مشهد المحشر: {إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ}؛ فبينهما تناظر لفظي ومعنوي: التركيب واحد، والفارق في الكلمة الأخيرة؛ فهناك "المستقر" وهنا "المساق". وبينهما ترتيب دقيق: المساق طريق والمستقر غاية؛ فذكر الغاية في مشهد القيامة الكبرى، وذكر الطريق في مشهد الموت؛ وهذا هو الترتيب الواقعي: يُساق العبد أولاً ثم يستقر. وبهذا يتم مشهد الاحتضار، ثم ينتقل السياق إلى سبب هذا المصير في قوله: {فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّىٰ}.