بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ
بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ
ينتقل السياق من مناقشة الشبهة إلى كشف الباعث النفسي عليها: {بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ}. روى الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، عن ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن جبير ومجاهد وجوهاً في المعنى: منها أن المراد: يريد أن يمضي قُدُماً في معاصي الله ويؤخر التوبة ويقول: سوف أتوب؛ ومنها: يكذّب بما أمامه من البعث والحساب ليتخلص من موجبه؛ ومنها: يقدّم الذنب ويؤخّر التوبة. ورجّح الطبري أن المعنى: يريد الإنسان أن يدوم على فجوره فيما يستقبل من عمره. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن المعنى: بل يريد أن يستمر على فجوره فيما بين يديه لا أن يقلع عنه. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير هذه الآية، القولين ونسب الثاني إلى ابن عباس أيضاً: أي يريد أن يكذّب بيوم القيامة الذي هو أمامه. وبيّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الخامسة من السورة، أن الإضراب هنا انتقالي؛ فبعد إبطال شبهتهم من جهة الدليل انتقل إلى كشف السبب الباطن، وهو أن إنكارهم صادر عن إرادة التحلل من التبعة لا عن نظر في البرهان.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تمثّل هذه الآية نقطة التحول في مطلع السورة؛ فالآيتان قبلها في الحجاج العقلي، وهذه في التشخيص النفسي. وقد جاء الإضراب بـ{بَلْ} ليقول: إن أصل المشكلة ليس في قصور البرهان بل في فساد الإرادة. وهذا التشخيص يتكرر في السورة بصيغة أصرح في قوله: {كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ}؛ فبين الموضعين تناسب تام: هنا إرادة الفجور، وهناك محبة العاجلة؛ وكلاهما وجه واحد لعلة واحدة. ثم إن الآية بعدها {يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ} فرع عن هذه الإرادة؛ فسؤاله عن الوقت ليس استرشاداً بل استبعاداً واستهزاءً.