أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ
أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ
يبدأ البرهان الختامي بالتذكير بالأصل: {أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: ألم يكن هذا الإنسان الذي يحسب أن يُترك سدى نطفة من مني يُصبّ في الرحم؟ وروى عن قتادة نحو ذلك. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن الله يحتج على المنكر للبعث بابتداء خلقه من ماء مهين؛ فالذي أنشأه من هذا قادر على إعادته. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية السابعة والثلاثين من السورة، أن "النطفة" الماء القليل؛ يقال للماء القليل يبقى في القربة: نطفة. وأن {يُمْنَىٰ} معناه يُصبّ ويُراق في الرحم. وقرر السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذه الآيات، أن الاستدلال بالنشأة الأولى على النشأة الأخرى من أقوى الأدلة وأوضحها؛ إذ من قدر على الابتداء فهو على الإعادة أقدر. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، إلى أن الاستفهام تقريري؛ يُلجئ المخاطب إلى الإقرار بما لا يستطيع دفعه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية جواباً عملياً على الاستفهام الإنكاري قبلها؛ فبدل أن يقول: لن تُترك سدى، ساقه إلى النظر في أصله. وتبدأ هنا سلسلة من خمس مراحل تتوالى إلى آخر السورة: نطفة، فعلقة، فخلق، فتسوية، فجعل الزوجين. وقد اتصلت هذه الآية بمطلع السورة اتصالاً محكماً؛ فقد قيل هناك: {أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ}؛ وجاء هنا لفظ التسوية في قوله: {فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ}؛ فارتبط أول الاحتجاج بآخره بلفظ واحد ومعنى واحد.