فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ
فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ
يأتي الأمر بعد الضمان: {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ}. جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما عند البخاري في "صحيحه" في كتاب بدء الوحي وفي كتاب التفسير عند تفسير سورة القيامة، ومسلم في "صحيحه" في كتاب الصلاة، تفسيرها بقوله: "فإذا أنزلناه فاستمع"؛ وقال ابن عباس: فكان رسول الله ﷺ بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع، فإذا انطلق جبريل قرأه النبي ﷺ كما قرأه. وقرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: فإذا قرأه عليك رسولنا جبريل فاستمع لقراءته ثم اتبعها بقراءتك بعد فراغه. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن إسناد القراءة إلى الله في {قَرَأْنَاهُ} لأن جبريل إنما يقرأ بأمره ووحيه، فنُسب الفعل إليه سبحانه تشريفاً. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية الثامنة عشرة من السورة، أن معنى {فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ}: اعمل بما فيه؛ وقيل: اتبع قراءته بقراءتك؛ والقولان يجتمعان، إذ الاتباع في اللفظ مقدمة للاتباع في الحكم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تكمل هذه الآية سُلّم التلقي؛ فالآية قبلها ضمنت الجمع والإقراء، وهذه بيّنت وظيفة النبي ﷺ في المرحلة الثانية: الاستماع أولاً ثم الاتباع. ثم تأتي الآية بعدها لتضمن المرحلة الأخيرة: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}. فالترتيب: ضمان من الله، فوظيفة من العبد، فضمان آخر من الله؛ فبين الضمانين وظيفة العبد؛ وهذا أعدل بناء وأدعى إلى الطمأنينة. ويتصل هذا كله بمقصد السورة؛ إذ ما جاء في السورة من أخبار القيامة إنما وصل عن هذا الطريق المضمون.