لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ
لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ
يعترض السياق بخطاب خاص للنبي ﷺ في أدب تلقي الوحي: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ}. روى البخاري في "صحيحه"، في كتاب بدء الوحي وأعاده في كتاب التفسير عند تفسير سورة القيامة، ومسلم في "صحيحه" في كتاب الصلاة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله ﷺ يعالج من التنزيل شدة، وكان مما يحرك شفتيه، فقال ابن عباس: أنا أحركهما لك كما كان رسول الله ﷺ يحركهما؛ فأنزل الله تعالى: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ}؛ قال: جمعه لك في صدرك وتقرأه. وقرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن هذا هو المعنى المعتمد؛ وأن النبي ﷺ كان يبادر جبريل بالقراءة مخافة أن ينسى ما يوحى إليه، فنُهي عن ذلك وضُمن له الحفظ. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن هذا من لطف الله بنبيه ﷺ وتيسيره عليه. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية السادسة عشرة من السورة، نظير هذا في قوله تعالى: {وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ}. وبيّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، أن هذا الاعتراض في وسط السورة له صلة بمقصدها؛ إذ الوحي هو مصدر الخبر عن القيامة، فتقرير حفظه وضمانه تقرير لصحة الخبر الذي جاء به.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): يبدو هذا الخطاب في ظاهره منفصلاً عن سياق القيامة، وهو في الحقيقة متصل به أوثق اتصال من وجوه: أولها أن السورة تقرر خبراً غيبياً هو البعث، والخبر لا يُوثق به إلا إذا وُثق بسلامة طريق نقله؛ فجاء ضمان حفظ الوحي في وسط السورة تثبيتاً لحجيتها. وثانيها أن السورة عابت العجلة على الإنسان في قوله: {بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ} ثم {بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ}؛ فذكر نهي النبي ﷺ عن عجلة من نوع آخر يقيم الموازنة: عجلة مذمومة إلى الدنيا، وعجلة صادرة عن الحرص على الخير لكنها خلاف الأدب. وثالثها أن المقطع يقع بين مشهد شهادة النفس ومشهد محبة العاجلة، فكأنه استراحة يثبت فيها المتلقي قبل استئناف الوعيد.