ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰ أَهْلِهِ يَتَمَطَّىٰ
ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰ أَهْلِهِ يَتَمَطَّىٰ
تكتمل صورة المكذب بذكر زهوه واختياله: {ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰ أَهْلِهِ يَتَمَطَّىٰ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: ثم رجع إلى أهله يتبختر في مشيته؛ وروى عن قتادة ومجاهد وابن عباس رضي الله عنهما أن التمطي هو التبختر والاختيال. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن المراد: يمشي متبختراً معجباً بنفسه؛ ونظيره في التنزيل قوله: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّىٰ مُسْتَكْبِرًا}. وبيّن القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية الثالثة والثلاثين من السورة، أن أصل "التمطي" من "المطا" وهو الظهر؛ لأن المتبختر يلوي ظهره ويميله؛ وقيل: أصله "التمطط" وهو التمدد، فأُبدلت الطاء الثالثة ياءً. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، إلى أن {ثُمَّ} هنا للتراخي الرتبي؛ فاختياله بعد تكذيبه أشنع من التكذيب نفسه؛ إذ التكذيب ضلال، والاختيال به إعجاب بالضلال.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية ذروة صورة المكذب؛ فقد بدأت بنفي الخير، ثم إثبات الشر، ثم بلغت هنا الاختيال بالشر. وقد جيء بـ{ثُمَّ} لبيان أن كل مرتبة أشنع مما قبلها. ثم يأتي الوعيد مباشرة: {أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ}؛ فالانتقال من المشية المتبخترة إلى التهديد الحاد يحدث في النفس أثراً بالغاً، إذ يقطع الزهو في ذروته. ويتصل هذا كله بمطلع السورة؛ فمن أراد أن يفجر أمامه انتهى به الأمر إلى أن يفخر بفجوره.