وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ
وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ
يتمّ الكشف عن الداء بذكر وجهه الثاني: {وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: وتتركون العمل للدار الآخرة والاستعداد لها؛ فلا تسعون لما ينفعكم فيها. وروى عن قتادة قوله: عجّلوا الدنيا وتركوا الآخرة. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن المراد: تتركون الدار الآخرة وراء ظهوركم فلا تعملون لها. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية الحادية والعشرين من السورة، أن "تذرون" لا يُستعمل منه ماضٍ في الفصيح؛ فيقال: يذر ولا يقال: وذر؛ وأن معناه الترك مع الإعراض. وقرر السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذه الآيات، أن السبب في إيثار العاجلة أنها حاضرة معجلة، والآخرة غائبة مؤجلة؛ فمن غلبت عليه شهوة الحاضر ترك الغائب وإن كان أعظم وأبقى. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، إلى أن ذكر الترك بعد ذكر المحبة تصريح بالنتيجة بعد ذكر سببها؛ إذ محبة أحد الضدين تستلزم إهمال الآخر.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تكمل هذه الآية المقابلة التي بدأت في الآية قبلها؛ فذكر المحبة أولاً ثم الترك ثانياً؛ لأن الترك أثر للمحبة لا العكس. ثم انتقل السياق مباشرة إلى مشهد الوجوه: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ}؛ وهذا الانتقال في غاية الإحكام؛ فبعد أن ذكر أن الناس في الدنيا صنفان في الإرادة، بيّن أنهم في الآخرة صنفان في المصير؛ فمن آثر الآخرة كان وجهه ناضراً، ومن آثر العاجلة كان وجهه باسراً. فبين الآيتين رابطة السبب بالنتيجة.