إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ
إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ
تُبيّن الآية أعلى ما ينال أهل الجنة: {إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن الصواب من القول أن المعنى: تنظر إلى ربها؛ ونقل ذلك عن جماعة من السلف منهم الحسن وعكرمة ومجاهد وابن عباس رضي الله عنهما. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن هذه الآية أصل في إثبات رؤية المؤمنين لربهم في الدار الآخرة، وأنه قد تواترت بذلك الأحاديث عن رسول الله ﷺ. ومن ذلك ما رواه البخاري في "صحيحه" في كتاب مواقيت الصلاة في باب فضل صلاة العصر، ومسلم في "صحيحه" في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: كنا جلوساً عند النبي ﷺ فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: "إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تُضامّون في رؤيته". وروى مسلم في "صحيحه" في كتاب الإيمان في باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم، عن صهيب رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئاً أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيّض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ فيكشف الحجاب، فما أُعطوا شيئاً أحبّ إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل"، ثم تلا هذه الآية: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ}. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية الثالثة والعشرين من السورة، إجماع أهل السنة على إثبات الرؤية، وحكى خلاف من نفاها وردّ عليه. وبيّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، أن تعدية "ناظرة" بـ"إلى" هي التي تدل على نظر العين؛ إذ لو أريد الانتظار لعُدّي بنفسه أو ذُكر بلا صلة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت الآية بياناً لسبب النضارة المذكورة قبلها؛ فالنضرة أثر والنظر إلى الله سبب. وقد قابل هذا في الفريق الآخر: {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ}؛ فالبسور أثر وتوقع الداهية سبب. فانتظمت أربع آيات على بناء واحد: هيئة وسببها في كل فريق. ويزيد النظم إحكاماً أن السورة بدأت بذكر إيثار العاجلة، فذكر هنا أن أهل الآخرة نالوا ما لا يقاس بكل عاجلة، وهو النظر إلى وجه الله.