وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ
وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ
ينتقل المشهد إلى داخل نفس المحتضر: {وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: وأيقن الذي بلغت نفسه تراقيه أن الذي نزل به هو فراق الدنيا؛ وروى عن قتادة قوله: أيقن أنه الفراق فارق والله الدنيا وأهله وماله. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن المراد: أيقن المحتضر أنه مفارق للدنيا ولمن فيها. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية الثامنة والعشرين من السورة، أن "الظن" هنا بمعنى اليقين؛ لأنه في هذا الموطن قد عاين من الأمارات ما لا يبقي معه شك. وقرر السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذه الآيات، أن هذا هو الوقت الذي ينكشف فيه الغطاء عن العبد فيعلم حقيقة ما كان يُوعد به. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، إلى أن الضمير في {أَنَّهُ} ضمير الشأن، وأن تعريف {الْفِرَاقُ} للعهد؛ أي الفراق المعروف الذي لا لقاء بعده في هذه الدار.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تتابع اللقطات في هذا المشهد على نسق دقيق: بلغت الروح التراقي، فسأل من حوله عن راقٍ، فأيقن هو في نفسه أنه الفراق، ثم التفت الساق بالساق، ثم انتهى الأمر إلى المساق. فالآية تنقلنا من الخارج إلى الداخل، ومن قول الحاضرين إلى يقين المحتضر. وقد تكرر لفظ "الظن" في السورة مرتين: في وصف الوجوه الباسرة {تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ}، وهنا في وصف المحتضر؛ وفي الموضعين هو يقين نشأ عن معاينة الأمارات؛ فبين الموضعين تناظر يشدّ مشهد الموت إلى مشهد القيامة.