ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ
ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ
يُكرر الوعيد مرة أخرى تشديداً: {ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن التكرار للتغليظ والتشديد في الوعيد؛ وأن العرب تكرر الكلام إذا أرادت المبالغة في التهديد. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن هذا توكيد للوعيد المتقدم. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية الخامسة والثلاثين من السورة، وجهين في التكرار: أنه للتوكيد المحض؛ وأن الأول وعيد بما يلقاه عند الموت وفي البرزخ، والثاني وعيد بما يلقاه يوم القيامة؛ فيكون التكرار لاختلاف الموطنين. وذكر البغوي في "معالم التنزيل"، عند تفسير هذه الآية، أن بعض أهل العلم قال: الأولى في الدنيا، والثانية في القبر، والثالثة عند البعث، والرابعة في النار. وبيّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية، أن دخول {ثُمَّ} أفاد أن الوعيد الثاني أرفع رتبة من الأول؛ فالتراخي رتبي لا زمني فحسب.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تختم هذه الآية سلسلة الوعيد التي بدأت من قوله: {فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّىٰ}؛ فتلاحق الوصف بالوصف حتى انتهى إلى التهديد المكرر. ثم ينتقل السياق نقلة حاسمة إلى الاحتجاج العقلي في قوله: {أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى}. وهذا الانتقال من التهديد إلى البرهان نظير ما في مطلع السورة من الانتقال بين الحجة والتشخيص النفسي؛ فالسورة تتناوب بين خطاب العقل وخطاب القلب حتى لا يبقى للمخاطب مخرج من جهة من الجهات.