وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ
وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ
تُختم لقطات الاحتضار بصورة حسية: {وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أقوال أهل التأويل: فقال جماعة منهم الحسن ومجاهد وقتادة: التفت شدة أمر الآخرة بشدة أمر الدنيا؛ أي اجتمعت عليه الشدتان؛ وقال آخرون منهم ابن عباس رضي الله عنهما: التفّت ساقاه عند الموت من شدة الكرب فلا تحملانه؛ وقال بعضهم: هو التفاف الناس بأمر ميتهم من التجهيز والتكفين. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن المعنى المشهور: التفت ساقاه في أكفانه، أو التفت شدة فراق الدنيا بشدة إقبال الآخرة. وبيّن القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية التاسعة والعشرين من السورة، أن العرب تقول عند اشتداد الأمر: قامت الحرب على ساق؛ وأن "الساق" تُستعمل مجازاً في الشدة. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، إلى أن الوجهين متلازمان؛ فالتفاف الساقين حساً علامة على التفاف الكرب معنى؛ فالصورة الحسية دالة على الحال الباطنة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه آخر لقطات مشهد الاحتضار قبل الخاتمة؛ وقد جاءت بعد يقين الفراق لتصور ما يعقب اليقين من انهيار البدن. وتنتظم اللقطات الأربع على ترتيب طبيعي: مرحلة الجسد (بلوغ التراقي)، فمرحلة من حوله (من راق)، فمرحلة نفسه (ظن أنه الفراق)، فمرحلة انتهاء الحركة (التفت الساق بالساق). ثم تأتي الخاتمة: {إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ}. ويلحظ التناسب الصوتي أيضاً: {رَاقٍ} و{الْفِرَاقُ} و{بِالسَّاقِ} و{الْمَسَاقُ}؛ فتوافقت الفواصل في القاف الجاهرة التي تناسب قسوة المشهد.