إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ
إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ
يأتي الضمان الإلهي عقب النهي: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ}. في حديث ابن عباس رضي الله عنهما الذي رواه البخاري في "صحيحه" في كتاب بدء الوحي وفي كتاب التفسير عند تفسير سورة القيامة، ومسلم في "صحيحه" في كتاب الصلاة، تفسير هذه الآية بقوله: "إن علينا أن نجمعه في صدرك وتقرأه". وقرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: إن علينا أن نجمع القرآن في صدرك يا محمد وأن نقرئكه فلا تنساه. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن {جَمْعَهُ} أي في صدرك، و{قُرْآنَهُ} أي أن تقرأه؛ فهو تكفّل بالحفظ والأداء معاً. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية السابعة عشرة من السورة، أن "القرآن" هنا مصدر بمعنى القراءة؛ كقول القائل: قرأت قراءةً وقرآناً. وبيّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، أن تقديم الجار والمجرور {عَلَيْنَا} على المبتدأ المؤخر يفيد القصر والتأكيد؛ فالجمع والإقراء مضمونان من الله وحده، لا يشاركه فيهما أحد.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت الآية علة للنهي في الآية قبلها؛ فكأنه قيل: لا تعجل لأن الحفظ مكفول لك من الله. ثم تدرج السياق بعدها ثلاث درجات: {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ}، ثم {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}؛ فصارت المراتب أربعاً: جمع في الصدر، ثم إقراء، ثم اتباع من النبي ﷺ، ثم بيان للمعاني. وهذا الترتيب يوافق منهج التلقي الصحيح: حفظ المبنى ثم فهم المعنى. وموقع المقطع في وسط السورة يجعل ضمان الوحي محوراً تدور حوله مشاهد القيامة قبله وبعده.