أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ
أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ
بعد القسمين يأتي المقسَم عليه في صورة استفهام إنكاري: {أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: أيظن ابن آدم أن الله لا يقدر على جمع عظامه بعد تفرقها وبِلاها؟ وذكر أن هذا خرج مخرج الإنكار على من أنكر البعث من مشركي قريش. ونقل ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، عن غير واحد من السلف أن الاستفهام للإنكار والتوبيخ، وأن ذكر العظام على وجه التمثيل بأشد ما في البدن استعصاءً على التصور في نظرهم؛ إذ العظام هي التي تبقى بعد ذهاب اللحم ثم تصير رميماً. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية الثالثة من السورة، أن المراد بـ"الإنسان" هنا الجنس؛ وقيل: أُريد به معيَّن من صناديد قريش كان يكثر إنكار البعث، والأول أعم وأليق بسياق السورة. وذكر ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، أن التعبير بـ"يحسب" دون "يعلم" أو "يعتقد" فيه تهجين لمذهبهم؛ إذ نُزّل إنكارهم منزلة الظن الفاسد الذي لا مستند له.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية هي المقصود من القسمين قبلها؛ فبعد التوكيد بالقسم جاء بيان القضية المنكَرة. ولم يقل: أيحسب الإنسان أن لن نبعثه، بل عيّن أدق ما يستشكلونه وهو جمع العظام المتفرقة؛ لأن مبدأ إنكارهم كان من هذه الجهة كما حكى القرآن عنهم في مواضع: {أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا}. وقد مهّدت الآية لجواب الآية بعدها {بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ}، فالسياق يرتقي من الجمع إلى التسوية، ومن الجملة إلى التفصيل؛ ثم يعود في آخر السورة إلى البرهان ذاته من جهة النشأة الأولى: {أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ}؛ فبين أول الاحتجاج وآخره تناسق تام.