كَلَّا لَا وَزَرَ
كَلَّا لَا وَزَرَ
يأتي الجواب حاسماً قاطعاً لكل رجاء: {كَلَّا لَا وَزَرَ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن {كَلَّا} ردع للقائل؛ أي ليس الأمر كما تطلب؛ وأن "الوزر" في كلام العرب: الملجأ والمعقل والحصن الذي يُتحصن به؛ وروى عن ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وقتادة والضحاك أن الوزر: الجبل، وكانت العرب تلجأ إلى الجبال إذا خافت. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن المعنى: لا ملجأ ولا معقل ولا نجاة لأحد من الله. وبيّن القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية الحادية عشرة من السورة، أن أصل الوزر ما يُلجأ إليه من جبل أو حصن أو غيرهما؛ ومنه سُمي الوزير وزيراً لأن الملك يلتجئ إلى رأيه. وذكر ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، أن نفي الجنس بـ"لا" واستغراقه لكل ما يمكن أن يُلجأ إليه هو المقصود؛ فلا يُترك في نفس السامع بقية أمل في وسيلة نجاة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت الآية جواباً مباشراً لسؤال الآية قبلها؛ فسأل: {أَيْنَ الْمَفَرُّ}، فأُجيب: {كَلَّا لَا وَزَرَ}. ولم يقف الجواب عند النفي، بل أعقبه بالإثبات في الآية بعدها: {إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ}؛ وهذا نظم بديع يقوم على قاعدة النفي والإثبات: نفي كل ملجأ سواه، وإثبات أن المرجع إليه وحده؛ وهو عين ما تقوم عليه كلمة التوحيد. وهذه هي {كَلَّا} الأولى من ثلاث في السورة، وكل واحدة منها تقع في موضع تحوّل من حال إلى حال.