أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ
أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ
ينقطع مشهد الاختيال بوعيد حاد: {أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن هذا وعيد من الله لهذا الصنف؛ وأن العرب تقول للرجل إذا أفلت من الهلكة: أولى لك؛ أي كِدت تهلك؛ ثم صارت كلمة وعيد وتهديد. وروى عن قتادة وابن زيد أن معناها التهديد والوعيد. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن المعنى: وليك المكروه؛ وذكر عند هذه الآية ما رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ أخذ بيد أبي جهل فقال: "أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى"، فقال أبو جهل: أتوعدني يا محمد؟ والله ما تستطيع أنت ولا ربك بي شيئاً؛ وذكر ابن كثير أن هذا الأثر ذكره غير واحد في سبب نزول الآية. وبيّن القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية الرابعة والثلاثين من السورة، أن في اشتقاقها أقوالاً: قيل من "الوَلْي" وهو القرب؛ أي قرب منك ما تكره؛ وقيل من "أولى" أفعل تفضيل من الوَيل؛ والأول أشهر عند أهل اللغة. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، إلى أن هذه الكلمة جرت مجرى المثل عند العرب فلا يُتكلف لها إعراب دقيق؛ والمقصود منها الإنذار بما هو آتٍ.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء الوعيد بعد مشهد التبختر مباشرة دون فاصل؛ وهذا من أبلغ ما يكون في النظم؛ إذ يُقطع الزهو في أوجه. ثم كُرر الوعيد في الآية بعدها: {ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ}؛ فصار الوعيد أربع مرات في آيتين. وموضع هذا الوعيد بين مشهد المكذب المتبختر ومشهد الاحتجاج بالنشأة الأولى في غاية الحكمة؛ فبعد أن قطع كبرياءه بالتهديد، عاد يخاطب عقله بالبرهان في قوله: {أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى}. فتكامل في السورة خطاب القلب بالتهديد وخطاب العقل بالحجة.