ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ
ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ
تتوالى مراحل النشأة: {ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: ثم كانت تلك النطفة علقة، فخلق الله منها الإنسان فسوّاه وعدّل خلقه؛ وروى عن قتادة نحو ذلك. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن المراد: ثم صار علقة، ثم صار مضغة، فخلقه الله وصوّره وسوّى أعضاءه. وبيّن القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية الثامنة والثلاثين من السورة، أن "العلقة" القطعة من الدم الجامد؛ سُميت بذلك لأنها تعلق بما تمر به لرطوبتها. وقرر السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذه الآيات، أن هذا التدرج في الخلق من أعظم الأدلة على كمال القدرة والحكمة؛ إذ لو كانت الأشياء تقع اتفاقاً لما جرت على هذا الترتيب المطرد. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، إلى أن فاء التعقيب في {فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ} تفيد سرعة تعاقب الأطوار بعد الطور الأول؛ وأن {ثُمَّ} في أوله للتراخي لأن بين النطفة والعلقة مدة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تسير الآية على سلّم متصاعد: من طور النطفة إلى طور العلقة إلى الخلق إلى التسوية؛ وقد نوّع في حروف العطف بحسب المعنى: فجاءت {ثُمَّ} حيث المهلة، والفاء حيث التعقيب. وقد ربطت هذه الآية آخر السورة بأولها بلفظ التسوية؛ إذ قيل في الآية الرابعة: {بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ}؛ فالتسوية التي قدر عليها في النشأة الأولى هي بعينها التي يقدر عليها في الإعادة. ثم تأتي الآية بعدها لتذكر ثمرة التسوية وهي جعل الزوجين، ثم الخاتمة التقريرية.