وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ
وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ
يعطف الله على القسم الأول قسماً ثانياً بشاهد من داخل الإنسان: {وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ}. روى الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثانية من سورة القيامة، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن اللوامة هي النفس التي تلوم صاحبها على ما فات وتندم على ما مضى؛ وروى عن الحسن البصري قوله: إن المؤمن لا تراه إلا يلوم نفسه: ما أردت بكلمتي؟ ما أردت بأكلتي؟ ما أردت بحديث نفسي؟ وإن الفاجر يمضي قُدُماً لا يعاتب نفسه. وروى عن مجاهد أنها تلوم على ما فات وتندم؛ فتلوم على الخير لِمَ لم تستكثر منه، وعلى الشر لِمَ فعلته. وذكر ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، هذه الأقوال وجعلها متقاربة؛ فالنفس اللوامة كثيرة التلوّم والتردد، لا تثبت على حال. وبيّن القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن من أهل التأويل من قال: هي نفس الكافر تلوم نفسها يوم القيامة على تفريطها في جنب الله؛ ومنهم من قال: هي كل نفس برّة كانت أو فاجرة. وذهب ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الثانية من السورة، إلى أن وصف اللوّامة صيغة مبالغة تدل على تكرر اللوم وشدته، وأن القسم بها إشارة إلى أن في فطرة الإنسان وازعاً يشهد بأن وراء هذه الحياة حساباً؛ إذ لولا استقرار معنى المسؤولية في النفس لما وجد اللوم إليها سبيلاً.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جمع المطلع بين قسمين متكاملين: قسم بيوم القيامة وهو دليل من عالم الغيب المستقبل، وقسم بالنفس اللوامة وهو دليل من عالم الشهادة الحاضر في كل إنسان. فكأن السياق يقول: إن أنكرتم اليوم الموعود فارجعوا إلى أنفسكم تجدوا فيها شاهداً عليه. وهذا التمهيد ضروري لما يأتي في الآية الرابعة عشرة: {بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ}؛ فبين مطلع السورة ووسطها خيط واحد: النفس شاهدة على صاحبها لائمة له. ثم إن ذكر اللوم هنا تمهيد لذكر الاعتذار في قوله: {وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ}؛ فمن لامته نفسه لم تنفعه معاذيره.