بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ
بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ
يرتقي السياق من الإنباء إلى ما هو أبلغ منه: {بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: بل ابن آدم شاهد على نفسه بما عملت؛ وروى عن ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة والسدي أن المراد: شاهد عليها بعملها؛ وذكر أن التاء في {بَصِيرَةٌ} للمبالغة كما يقال: رجل راوية وعلّامة ونسّابة. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن المعنى: الإنسان شهيد على نفسه، عالم بما عمل وإن اعتذر وأنكر؛ نظير قوله تعالى: {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا}. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية الرابعة عشرة من السورة، وجهين: أن "بصيرة" بمعنى الحجة والبيّنة كما يقال: هذه بصيرة على كذا؛ وأن التاء للمبالغة في اسم الفاعل. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، إلى أن الإضراب انتقالي؛ أي: بل الأمر أعظم من مجرد الإنباء، فإن الحجة قائمة عليه من ذاته؛ فلا يحتاج إثبات جرمه إلى شاهد خارج عنه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية تتصل بمطلع السورة اتصالاً وثيقاً؛ فقد أقسم الله بالنفس اللوامة، وهنا يقرر أن هذه النفس بعينها بصيرة على صاحبها؛ فاللوم في الدنيا والشهادة في الآخرة وجهان لملكة واحدة. كما أنها استدراك على ما قبلها: فبعد أن قال {يُنَبَّأُ الْإِنسَانُ}، أضرب إلى أن الإنباء ليس لتعليمه ما جهل، فإنه عالم بحاله، وإنما هو لإقامة الحجة. ثم مهّدت لما بعدها: {وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ}؛ فمن كان شاهداً على نفسه لم تنفعه المعاذير.