وَلَٰكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ
وَلَٰكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ
بعد نفي الخير يأتي إثبات الشر: {وَلَٰكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: ولكن كذّب بكتاب الله ورسوله، وتولى عن طاعة الله فأدبر عنها. وروى عن قتادة قوله: كذّب بكتاب الله وتولى عن أمر الله. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن هذا إثبات لضد ما نُفي عنه؛ فبعد أن نفى عنه التصديق أثبت التكذيب، وبعد أن نفى عنه الصلاة أثبت التولي. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية الثانية والثلاثين من السورة، أن "الاستدراك" بـ"لكن" وقع موقعه؛ إذ الكلام قبله نفي، وشأن "لكن" أن تقع بعد النفي لإثبات نقيضه. وقرر السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذه الآيات، أن هذين الوصفين مقابلان للوصفين قبلهما مقابلة تامة؛ فالتكذيب ضد التصديق، والتولي ضد الصلاة؛ إذ الصلاة إقبال والتولي إدبار.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تكمل هذه الآية صورة المكذب؛ فالآية قبلها نفي والآية هذه إثبات؛ ولا يستقيم الذم التام إلا بهما؛ إذ ترك الخير قد يكون عن غفلة، أما فعل الشر فعن قصد. ثم تأتي الآية بعدها لتزيد الصورة قبحاً: {ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰ أَهْلِهِ يَتَمَطَّىٰ}؛ فيصير الترتيب: لم يصدق ولم يصل، بل كذّب وتولى، ثم اختال بذلك مزهواً. وهذه الصورة الثلاثية تقابل ما تقدم في السورة من قوله: {بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ}؛ فالإرادة هناك والفعل هنا.