وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ
وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ
تُغلق الآية باب الاعتذار على المحاجّ عن نفسه: {وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن أهل التأويل قالوا: ولو اعتذر وجادل عن نفسه فإن ذلك غير نافعه؛ وروى عن مجاهد وقتادة والسدي: ولو ألقى معاذيره؛ أي ولو اعتذر بما اعتذر به. وروى وجهاً آخر عن ابن عباس رضي الله عنهما والضحاك: أن "المعاذير" هي الستور بلغة أهل اليمن؛ واحدها "معذار"؛ والمعنى: ولو أرخى الستور وأغلق الأبواب فإن نفسه شاهدة عليه بما عمل في الخلوات. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن المشهور أن المعاذير جمع معذرة؛ أي ولو جادل ونافح عن نفسه فإن ذلك لا يفيده. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية الخامسة عشرة من السورة، القولين وقرر أن الأول أشهر في اللغة. وبيّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، أن الواو للحال، وأن "لو" هنا وصلية تفيد التعميم في الأحوال؛ فالمعنى: هو بصيرة على نفسه في كل حال حتى في حال إلقائه المعاذير.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية مكمّلة للآية قبلها؛ فبعد إثبات أن الإنسان بصيرة على نفسه، نفت أن ينفعه شيء من الاعتذار؛ فاجتمع في الآيتين إثبات الحجة عليه وسدّ باب دفعها. وهذا الترتيب نظير ما تقدم في السورة من نفي الملجأ ثم إثبات المرجع؛ فالسورة تسير على منهج واحد: تُغلق الأبواب الباطلة ثم تدل على الباب الحق. وبهذه الآية يكتمل مشهد شهادة الإنسان على نفسه، ثم يعترض السياق بمقطع الوحي (الآيات 16 - 19) قبل أن يعود إلى تقرير علة التكذيب في قوله: {كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ}.