أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى
أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى
يعود السياق إلى الاستفهام الإنكاري الذي افتُتح به الاحتجاج: {أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن أهل التأويل قالوا: أيظن ابن آدم أن يُترك هملاً لا يُؤمر ولا يُنهى؟ وروى ذلك عن مجاهد والسدي وابن زيد وقتادة. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن المعنى: أيحسب أن يُترك مهملاً لا يُكلَّف ولا يُبعث ولا يُحاسب؟ وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية السادسة والثلاثين من السورة، أن "السدى" في اللغة: المهمل الذي لا يُرعى ولا يُمنع؛ يقال: إبل سدى إذا أُهملت ترعى حيث شاءت. وقرر السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذه الآيات، أن الله لم يخلق الخلق عبثاً؛ فهو لم يتركهم بلا أمر ولا نهي ولا ثواب ولا عقاب؛ وذلك يقتضي البعث والجزاء ضرورة. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، إلى أن هذا الاستفهام يقابل الاستفهام الأول في السورة {أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ}؛ فالأول في إنكار القدرة على البعث، والثاني في إنكار الحكمة الموجبة له؛ فتكامل الاحتجاج بالقدرة والحكمة معاً.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية لتفتح باب البرهان الختامي في السورة (الآيات 36 - 40). وقد أُعيد فيها التركيب الذي افتُتح به الاحتجاج في الآية الثالثة؛ فصار الاستفهام الإنكاري إطاراً يحيط بالسورة من طرفيها. والفرق بين الموضعين دقيق: الأول في إنكارهم القدرة، والثاني في إنكارهم الحكمة؛ ولا يتم إثبات البعث إلا بهما معاً؛ إذ القادر قد لا يفعل إن لم تقتض الحكمة، والحكيم قد لا يفعل إن لم تحضر القدرة. ثم فُرّع على هذا الاستفهام برهان النشأة الأولى في الآيات بعده.