المقابلة بين أولي الألباب وأضدادهم:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 400)جامع البيانالطبري١٦/٤٠٠ وابن أبي حاتم عن قتادة والضحاك والحسن: جاءت هذه الآية في المقابل التام للآية 20؛ فبينما يوفي أولو الألباب بعهد الله ويصلون ما أمر بوصله، يقوم الفسقة بنقيض ذلك كله: نقض العهد وقطع ما أمر الله بوصله والإفساد في الأرض.
{اللَّعْنَةُ} عقوبة الناقضين:
قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/ 462)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٤٦٢: «{اللَّعْنَةُ}: الطرد والإبعاد عن رحمة الله؛ وهي أشد الجزاء في الدنيا؛ و{سُوءُ الدَّارِ}: جهنم في الآخرة وبئس المصير».
قال السعدي في "تيسير الكريم الرحمن" (ص456)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٤٥٦: «هذه الثلاث جامعة لكل إثم؛ فنقض العهد إثم في حق الله، وقطع الأرحام إثم في حق العباد، والإفساد في الأرض إثم عام في المجتمع؛ وعقوبتها اللعنة في الدنيا وسوء الدار في الآخرة».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
يَنقُضُونَ
يكسرون العهد بعد إبرامه.
مِيثَاقِهِ
التوثيق والتأكيد الذي عُقد عليه العهد.
اللَّعْنَةُ
الطرد من رحمة الله والإبعاد عن كل خير.
سُوءُ الدَّارِ
شر المصير وهو جهنم.
وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ
مبتدأ وصلته.
عَهْدَ اللَّهِ
مفعول به، "الله" مضاف إليه.
مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ
متعلق بـ"ينقضون"، أي بعد توثيقه وتأكيده.
وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ
معطوف، "ما" موصولة مفعول به.
وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ
معطوف.
أُولَٰئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ
مبتدأ وخبر.
وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ
معطوف.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التقابل الدقيق بين الآية 20 والآية 25:
{يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ} ← {يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ}
{يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ} ← {يَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ}
{جَنَّاتُ عَدْنٍ} ← {سُوءُ الدَّارِ}
وهذا التقابل المحكم من جماليات بناء القرآن الفريدة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
نقض العهد أعظم إثماً من عدم إبرامه:
{مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ}: التقييد بـ"من بعد ميثاقه" يُقرر أن النقض بعد التوثيق أشد إثماً لأنه يجمع بين الحنث والخيانة والجحود.
التصاعد في الجزاء: اللعنة ثم سوء الدار:
بدأ بالجزاء الدنيوي (اللعنة والطرد من الرحمة) ثم الأخروي (سوء الدار)؛ وهو تصاعد في العقوبة يُناسب التصاعد في الجرم.
التعريف في {اللَّعْنَةُ} للجنس والاستغراق:
"اللعنة" معرّفة تشمل كل أنواع اللعنة واستحقاق البُعد من الله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الإفساد في الأرض من أشنع الذنوب:
الإفساد في الأرض ذُكر في سياق نقض العهد وقطع الأرحام ليكون ثالث ثلاثة من أشنع الصفات؛ فهو جريمة اجتماعية تمتد آثارها على الأمة والأجيال.
الحذر من اللعنة لا من العقوبة فحسب:
اللعنة هي الطرد من رحمة الله؛ وهي أعظم عقوبة في حساب من يعرف قيمة الرحمة الإلهية؛ فمن لُعن فقد انقطع عن الرحمة التي هي مصدر كل خير.