بسط الرزق وتضييقه بيد الله:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 402)جامع البيانالطبري١٦/٤٠٢ عن قتادة والضحاك: يُنبّه الله عباده إلى أن الرزق بيده وحده يبسطه لمن يشاء لحكمة، ويُضيّقه على من يشاء لحكمة؛ ولا ينبغي للمرء أن يغتر ببسط الرزق فيُفتن عن دينه، ولا أن ييأس بتضييقه فيحزن قلبه.
{وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا}:
قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/ 463)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٤٦٣: «أي الكفار ومن كان في حكمهم فرحوا بالدنيا فرح البطر والأشر والانغماس؛ فأعرضوا عن الآخرة واغتروا بالعاجلة».
{وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ}:
قال السعدي في "تيسير الكريم الرحمن" (ص457)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٤٥٧: «المتاع: ما يُتمتع به قليلاً ثم يزول؛ كمتاع المسافر في سفره؛ وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم لذلك مثلاً فقال: "مَا لِي وَلِلدُّنْيَا؟ مَا أَنَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا" (رواه الترمذي وقال حسن صحيح)».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
يَبْسُطُ
يوسع ويُفيض.
وَيَقْدِرُ
يُضيّق ويُقتّر.
مَتَاعٌ
ما يُتمتع به مؤقتاً ثم يُرمى.
اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ
مبتدأ وجملة الخبر.
لِمَن يَشَاءُ
"لمن" جار ومجرور متعلق بـ"يبسط".
وَيَقْدِرُ
فعل مضارع معطوف على "يبسط"، والمفعول محذوف تقديره: ويقدر لمن يشاء.
وَفَرِحُوا
فعل ماض والواو فاعل، والجملة معطوفة أو استئنافية.
بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا
متعلق بـ"فرحوا".
وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا
"ما" نافية، "الحياة" مبتدأ.
فِي الْآخِرَةِ
متعلق بمحذوف حال.
إِلَّا مَتَاعٌ
"إلا" للحصر، "متاع" خبر مرفوع.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تعليل فرح الكفار بالدنيا وذمّه:
الآية تُفسّر سبب إفساد الناقضين للعهود: إنهم فرحوا بالدنيا وأعرضوا عن الآخرة؛ فكان فرحهم الغارق في العاجلة سبب غفلتهم ونقضهم.
الموازنة بين الدنيا والآخرة:
{وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ}: قياس يجعل الدنيا قاصرة المدة والقيمة أمام خلود الآخرة وعظمتها.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
هل ذم الدنيا يعني الزهد عن السعي والعمل؟:
لا؛ الآية تذمّ الفرح الغارق المانع من العمل للآخرة، لا السعي والعمل الموصل إلى العمران وأداء الواجبات؛ والحديث النبوي: «اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً» يجمع بين الجانبين.
{مَتَاعٌ} في تنكير يدل على التحقير:
"متاع" نكرة بلا وصف يُقرّر حقارة الدنيا مهما عظُمت؛ فكل جبروتها وثرواتها ليست إلا متاعاً حقيراً منقوصاً أمام خير الآخرة.
المقابلة الضمنية بين {الدُّنْيَا} و{الْآخِرَةِ}:
ذكر الآخرة ظرفاً للمقارنة لا محلاً للوجود يُقرر أن مقياس الدنيا لا يُعلم حتى تُقاس بالآخرة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
علاج الفرح الغارق بالدنيا:
الدواء القرآني: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ}؛ استحضار الآخرة وعظمتها وخلودها هو ما يُنسي الانبهار بالعاجلة.
التعليم بسط الرزق وتضييقه حكمة لا ظلم:
فقر المؤمن وغنى الكافر ليسا دليلاً على الكرامة والهوان عند الله؛ وإنما هما ابتلاء وامتحان لكل منهما؛ ومقياس الكرامة التقوى.