تسلية النبي بأمثلة الرسل السابقين:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 425)جامع البيانالطبري١٦/٤٢٥ عن قتادة والضحاك: يُعزّي الله نبيه بأن الاستهزاء بالرسل سنة تاريخية قديمة: كل نبي استُهزئ به وأُوذي؛ ومع ذلك أُملي للكافرين وأُجّل عقابهم؛ ثم جاء الأخذ والعقوبة بغتةً فكانت خاتمتهم الهلاك.
{فَأَمْلَيْتُ} و{أَخَذْتُهُمْ}:
قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/ 470)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٤٧٠: «{أَمْلَيْتُ}: أمهلتهم وأطلت لهم المدة؛ {ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ}: بغتة بعذاب الدنيا فاستأصلتهم؛ {فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ}: استفهام تقريري تهديدي يُدعو السامع أن يستحضر صور الأمم المهلكة المبثوثة في القرآن».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
اسْتُهْزِئَ
مبني للمجهول من استهزأ؛ الاستهزاء السخرية والتهكم.
فَأَمْلَيْتُ
أمهلت وأطلت المدة.
أَخَذْتُهُمْ
أهلكتهم بالعذاب.
وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ
اللام للتوكيد، "قد" للتحقيق، "استهزئ" فعل مبني للمجهول.
بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ
جار ومجرور نائب فاعل، "من قبلك" متعلق بمحذوف صفة لـ"رسل".
فَأَمْلَيْتُ
الفاء للتعقيب، "أمليت" فعل وفاعل.
لِلَّذِينَ كَفَرُوا
جار ومجرور متعلق بـ"أمليت".
ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ
"ثم" للتراخي والتعقيب، "أخذتهم" فعل وفاعل ومفعول.
فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ
"كيف" خبر "كان" مقدم، "عقاب" اسم كان، وياء المتكلم محذوفة في الوقف.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التسلية بالسنة التاريخية:
الآية تُواصل الرد على استهزاء المشركين بالنبي من الآية 31؛ فتُثبت له أن هذا الاستهزاء ليس جديداً، وأن سنة الله فيه الإملاء ثم الأخذ.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
ردّ على من يتساءل: لماذا يُملى للكافر المستهزئ؟:
الإملاء ليس رضاً بل هو استدراج واختبار؛ وفيه فرصة للتوبة؛ فإن لم يتوبوا جاء الأخذ أشد وأعظم.
{فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} استفهام بلاغي:
يدع القلب يُكمل الجواب من خلال ما يعلمه عن مصير عاد وثمود وقوم نوح؛ وهو أبلغ من التصريح لأنه يُشرك السامع في استيعاب الدرس.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الثبات في مواجهة الاستهزاء:
الداعية المستهزأ به يجد في هذه الآية سلواناً: فالأنبياء الكرام استُهزئ بهم ومع ذلك استمروا في دعوتهم حتى جاء نصر الله.
الإملاء الطويل لا يعني الإفلات:
{فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ}: درس عميق لكل مؤمن يتعجب من ازدهار الظالمين؛ فالإملاء مؤقت والأخذ آتٍ لا محالة.