أقوال السلف في المحو والإثبات:
أخرج ابن جرير الطبري (16/ 450)مصدر غير محدد١٦/٤٥٠ وابن أبي حاتم عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن وابن زيد:
القول الأول (النسخ في الشرائع): ينسخ الله ما يشاء من الأحكام والشرائع فيمحوها، ويثبت ما يشاء فلا ينسخه؛ وعنده أصل الكتاب الذي لا يتغير.
القول الثاني (صحف الملائكة والمقادير المعلقة): يمحو الله ما يشاء مما تكتبه الحفظة مما لا ثواب فيه ولا عقاب، ويثبت ما فيه الجزاء؛ أو يمحو من الرزق والأجل بحسب الدعاء والصلة ويثبت، كما جاء في الحديث: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ، وَلَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَلَا يَزِيدُ فِي الْعُمُرِ إِلَّا الْبِرُّ».
تفسير {أُمُّ الْكِتَابِ}:
قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/ 477)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٤٧٧: «{أُمُّ الْكِتَابِ}: هو اللوح المحفوظ الذي هو أصل جميع الكتب، لا يتغير ولا يتبدل؛ والمحو والإثبات إنما يقع في الصحف التي بأيدي الملائكة، أما ما في علم الله الأزلي واللوح المحفوظ فلا تبديل فيه ولا تغيير».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
يَمْحُو
من محا يمحو محواً؛ الإزالة والإذهاب وإسقاط الأثر.
يُثْبِتُ
من أثبت يُثبت إثباتاً؛ الإبقاء والتقرير والترسيخ.
أُمُّ
أصل الشيء ومرجعه الجامع له؛ وسميت مكة أم القرى لأنها أصلها، وأم الكتاب أصله وجامعه.
يَمْحُو
فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الواو للثقل.
اللَّهُ
لفظ الجلالة فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
مَا
اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به، وجملة {يَشَاءُ} صلته لا محل لها.
وَيُثْبِتُ
الواو عاطفة، "يثبت" مضارع مرفوع وفاعله مستتر، ومفعوله محذوف دل عليه الأول (أي ويثبت ما يشاء).
وَعِندَهُ
الواو حالية أو استئنافية، "عند" ظرف مكان منصوب متعلق بمحذوف خبر مقدم، والهاء مضاف إليه.
أُمُّ
مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة.
الْكِتَابِ
مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إيضاح معنى {لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ}:
جاءت هذه الآية شارحة لكيفية تصريف ذلك الكتاب المذكور في ختام الآية 38؛ فبيّنت أن لله طلاقة القدرة في تصريف الحوادث بالتبديل والنسخ والمحو والإثبات، مع بقاء الأصل الثابت الذي لا يناله التبديل في علمه الأزلي.
المقابلة بين التغير في العالم المشهود والثبات في الغيب المكنون:
المقابلة بين المحو والإثبات المتجدد، وبين ثبات واستقرار "أم الكتاب"، ترسم منظومة القدر الإلهي بدقة وإحكام.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع توهم البداء على الله تعالى (تغير علمه):
المحو والإثبات ليس عن جهل سابق ثم علم جديد (حاشا لله)، بل هو تنفيذ لمقادير معلقة بأسبابها في صحف الملائكة (كالمعلق بالدعاء أو صلة الرحم)، والله يعلم أزلاً ما سيمحى وما سيثبت وما تؤول إليه العواقب؛ فالتغير في المكتوب المعلّق لا في العلم الأزلي القديم المودع في أم الكتاب.
الطباق بين {يَمْحُو} و{يُثْبِتُ}:
طباق فصيح يستوعب شطري التصريف الإلهي؛ فكل شأن من شؤون الخلق إما إلى زوال وإما إلى قرار واستقرار.
استعارة لفظ {أُمُّ} للوح المحفوظ:
استعارة تصريحية بديعة تبرز عطف الأصل واحتوائه لجميع الفروع؛ فكما أن الأم تحتضن ولدها وتجمع أمره، فاللوح المحفوظ جامع لكل المقادير ومرجع لها جميعاً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الدعاء والتضرع لا يردان عبثاً:
إثبات المحو بالدعاء والأعمال الصالحة يفتح للمؤمن أبواب الرجاء الواسعة؛ فإذا كان الله يمحو ويثبت، فإن العبد يلح في الدعاء: "اللهم إن كنت كتبتني في أهل الشقاوة فامحني واكتبني في أهل السعادة"، كما روي عن عمر وابن مسعود رضي الله عنهما.
التسليم واليقين بأن الأمور مردها إلى أصل محكم:
علم المؤمن بأن عند ربه "أم الكتاب" يورثه الرضا التام بقضاء الله وقدره بعد بذل الأسباب؛ فما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.