معنى نقصان الأرض من أطرافها:
أخرج ابن جرير الطبري (16/ 460)مصدر غير محدد١٦/٤٦٠ وابن أبي حاتم عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك والحسن:
القول الأول (فتوحات المسلمين ونقص ديار الكفر): نأتي أرض الكفر فنفتحها للمسلمين قرية بعد قرية، وننقص بلادهم بظهور الإسلام عليها وغلبة جنده.
القول الثاني (موت العلماء وأهل الفضل): أخرج الطبري عن ابن عباس ومجاهد قالا: «نقصانها بموت علمائها وفقهائها وخيار أهلها؛ فإن الأرض تحيا بالعلماء وإذا مات العالم ثُلم في الأرض ثلمة لا يسدها شيء».
القول الثالث (خراب الديار وموت الأمم): هلاك القرى المكذبة وموت أجيالها وانتقاص سكانها بالقوارع والنكبات.
تفسير {وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ}:
قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/ 479)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٤٧٩: «أي إذا حكم بشيء وقضى به فلا أحد يتعقب حكمه برد أو نقض أو تبديل؛ لأنه القاهر فوق عباده، {وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ}: سريع في مجازاة خلقه وإحصاء أعمالهم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
نَنقُصُهَا
من نقص الشيء ينقصه نقصاً ونقصاناً؛ الإذهاب من مقداره وحجمه.
أَطْرَافِهَا
جمع طَرَف؛ وهو جانب الشيء ونهايته وحافته.
مُعَقِّبَ
اسم فاعل من عقّب على الشيء؛ إذا تتبعه ورده وأبطله؛ والمعقب هو الناقض والراد للحكم.
أَوَلَمْ
الهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي، الواو عاطفة على مقدر، "لم" حرف نفي وجزم وقلب.
مفعول به لـ"نأتي"، والمصدر المؤول من أن واسمها وخبرها سد مسد مفعولي "يروا".
نَنقُصُهَا
مضارع مرفوع والفاعل مستتر والهاء مفعول به، والجملة في محل نصب حال من الضمير في "نأتي".
مِنْ أَطْرَافِهَا
جار ومجرور متعلق بـ"ننقصها".
وَاللَّهُ
الواو استئنافية، لفظ الجلالة مبتدأ مرفوع.
يَحْكُمُ
مضارع مرفوع وفاعله مستتر، والجملة خبر المبتدأ.
لَا
نافية للجنس تعمل عمل إن.
مُعَقِّبَ
اسم لا مبني على الفتح في محل نصب.
لِحُكْمِهِ
جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لا، والجملة حالية أو مستأنفة.
وَهُوَ
الواو عاطفة، ضمير منفصل مبتدأ.
سَرِيعُ
خبر المبتدأ مرفوع بالضمة.
الْحِسَابِ
مضاف إليه مجرور بالكسرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إقامة البرهان الحسي على قرب هلاك الكفار:
بعد أن ذكر في الآية السابقة وعد الحساب والبلاغ، لفت أنظارهم هنا إلى واقع مشهود يرونه بأعينهم: كيف تتقلص رقعة الشرك وتتسع رقعة التوحيد بنقص أطراف ديارهم؛ مما يقطع دابر اطمئنانهم إلى قوتهم الحالية.
تقرير كمال السلطان الإلهي:
تعقيب إعلان النقص بحكم الله القاطع: {وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ} لبيان أن هذا التقلص ليس صدفة جغرافية بل قضاء مبرم لا راد له.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع اغترار الطغاة باتساع ملكهم وقوتهم:
مهما بلغت قوة الدولة أو الحزب المشرك، فإن سنة انتقاص الأطراف وانحسار النفوذ سنة إلهية جارية تمهد لزوال المركز وانهيار المنظومة؛ فالتآكل يبدأ من الأطراف ثم ينتهي بالقلب.
الاستفهام الإنكاري بـ{أَوَلَمْ يَرَوْا}:
توبيخ وتقريع على عمى البصيرة؛ فالآيات تتنزل والوقائع تتحدث وهم في غفلتهم يعمهون.
التعبير بـ{نَأْتِي الْأَرْضَ} إشارة إلى القهر والإحاطة:
إسناد الإتيان إلى ضمير العظمة {نَأْتِي} يخلع على المشهد جلالاً وهيبة قاهرة؛ كأن يد القدرة تمتد لتطوي أطراف الأرض طياً محكماً.
نفي الجنس بـ{لَا مُعَقِّبَ}:
استغراق نفي أي تعقيب من أي كائن كان، دلالة على الانفراد التام بالحكم والتدبير.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استبشار المؤمنين بسنن التاريخ وتمدد الحق:
رؤية انحسار الباطل وتآكل أطرافه يبعث في نفوس أهل الإيمان الأمل واليقين بأن العاقبة للتقوى، وأن انتفاش الباطل مؤقت.
تعظيم حرمة العلماء وفضلهم:
على تأويل موت العلماء، فإن موت العالم ثلمة في الأمة ونقص للأرض من أطرافها؛ فينبغي للأمة توقير علمائها والاستفادة من أنوارهم قبل فوات الأوان.