السياق وتعلق الآية بما قبلها:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 407)جامع البيانالطبري١٦/٤٠٧ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والحسن: {الَّذِينَ آمَنُوا} بدل أو بيان لـ{مَنْ أَنَابَ} في الآية السابقة؛ أي الذين اهتدوا بهداية الله هم المؤمنون الذين تطمئن قلوبهم بذكر الله.
{أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}:
قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/ 465)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٤٦٥: «{أَلَا}: تنبيه وتوكيد؛ أي انتبهوا واعلموا أن اطمئنان القلوب لا يكون إلا بذكر الله؛ وهذا قانون رباني ثابت لا يتخلف: كلما ازداد العبد ذكراً لله ازداد قلبه اطمئناناً وسكينةً».
قال السعدي في "تيسير الكريم الرحمن" (ص458)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٤٥٨: «وذكر الله يشمل: ذكر اللسان بالتسبيح والتهليل والتكبير والدعاء، وذكر القلب بالتأمل في صفات الله وأفعاله، وذكر الجوارح بالعبادة والطاعة».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
تَطْمَئِنُّ
من طمأن يطمئن اطمئناناً؛ السكون والثبات والراحة والاستقرار التام.
بِذِكْرِ اللَّهِ
الذكر: حضور الله في القلب والتعبير عن ذلك باللسان والجوارح.
أَلَا
حرف تنبيه وتوكيد يُستفتح به الكلام للإيقاظ.
الَّذِينَ آمَنُوا
اسم موصول مبتدأ أو بدل من "من أناب" في الآية السابقة.
وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم
الجملة في محل رفع خبر أو حال.
بِذِكْرِ اللَّهِ
جار ومجرور متعلق بـ"تطمئن".
أَلَا
حرف تنبيه واستفتاح.
بِذِكْرِ اللَّهِ
جار ومجرور تقدم للاختصاص والتوكيد.
تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ
فعل وفاعل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تكرار الجملة للتوكيد والتقرير:
{وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ} جاءت أولاً كخبر وصفي، ثم كررها {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} كحكم كلي حاسم؛ وهذا التكرار مع التغيير في الأسلوب (من الجملة الاسمية إلى الفعلية المصدّرة بـ"ألا") يُقرر الحقيقة ويُرسّخها.
الآية في سياق المقابلة بين المنيبين والمعرضين:
المؤمنون المنيبون الذين يهديهم الله (آية 27) يُعرّفون بصفتهم الأبرز: اطمئنان القلب بذكر الله في مقابلة قلق الكافرين وضيقهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
رد على من زعم أن الاطمئنان يُنتج الركود والتخلف:
الاطمئنان القلبي المراد هو السكينة الروحية؛ لا القعود عن السعي والعمل؛ بل الاطمئنان بالله يُنتج القوة لمواجهة التحديات دون هلع أو يأس.
لماذا لا تطمئن قلوب الغافلين رغم كثرة مباهج الحياة؟:
لأن القلب خُلق للتعلق بالله؛ وما سواه لا يُشبعه؛ قال بعض الحكماء: "قلبي لا يطمئن إلا حين يسكن إلى ربي".
تقديم {بِذِكْرِ اللَّهِ} في الجملة الثانية:
تقديم الجار ومجرور على الفعل يُفيد الحصر والاختصاص؛ أي لا بشيء سوى ذكر الله تطمئن القلوب؛ فكل ما سوى ذكر الله لا يُنتج اطمئناناً حقيقياً.
{أَلَا} للتنبيه الشديد:
جاءت "ألا" لتوقظ الغافل وتُلفت انتباهه إلى حقيقة بالغة الأهمية؛ كأن الله يقول: انتبهوا جيداً لهذا القانون الثابت الذي لا يتغير.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
وصفة القرآن لاضطراب النفس البشرية:
الاكتئاب والقلق وانعدام الطمأنينة ظاهرة عصرية بامتياز؛ ووصفة القرآن الناجعة: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}؛ فالدواء متاح والباب مفتوح.
أنواع الذكر الموصلة للاطمئنان:
قراءة القرآن، والصلاة بخشوع، والذكر المستمر، والتأمل في عظمة الله، كلها أبواب الذكر الذي يُنتج الاطمئنان.