معنى {خَوْفًا وَطَمَعًا}:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 353)جامع البيانالطبري١٦/٣٥٣ عن ابن عباس ومجاهد والضحاك والحسن: خوفاً للمسافر أن يمطر عليه فيتضرر، وطمعاً للمقيم أن تسقي الغيوث أرضه ومواشيه؛ وقيل: خوفاً من الصاعقة والعقوبة وطمعاً في الرحمة والغيث.
قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/ 442)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٤٤٢: «والصحيح أن كليهما صحيح؛ فهو رؤية للبرق تجمع بين الخوف والرجاء معاً في قلب الناظر؛ وهو حكمة بالغة تذكّر المؤمن أن يكون دائماً بين الخوف من الله والرجاء في رحمته».
{يُنشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ}:
قال السعدي في "تيسير الكريم الرحمن" (ص445)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٤٤٥: «يُنشئ: يُوجد ويُبرز؛ والسحاب جمع سحابة، الثقال: المثقلة بالماء الذي ستمطر به؛ والإنشاء بهذا القدر من الماء في أجرام عالية معلقة في الفضاء من أعظم الآيات الدالة على القدرة الإلهية المطلقة».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
الْبَرْقَ
شعلة كهربية تنتج عن التفريغ الكهربي بين السحب أو بين السحاب والأرض.
خَوْفًا وَطَمَعًا
مفعول لأجله؛ أي لأجل إحداث الخوف والطمع في النفوس.
الثِّقَالَ
جمع ثقيل؛ وسُمي السحاب ثقالاً لاحتبانه كميات هائلة من الماء.
هُوَ الَّذِي
ضمير مبتدأ، "الذي" خبره.
يُرِيكُمُ
فعل مضارع صلة الموصول، فاعله مستتر، والكاف مفعول أول والميم للجمع.
الْبَرْقَ
مفعول به ثانٍ منصوب.
خَوْفًا وَطَمَعًا
مفعول لأجله منصوب؛ أو حال من فاعل "يريكم" أي مخوّفاً وطامعاً.
وَيُنشِئُ
فعل مضارع معطوف على "يريكم".
السَّحَابَ
مفعول به منصوب.
الثِّقَالَ
نعت لـ"السحاب" منصوب بالفتحة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال إلى آيات الجو والسماء:
بعد الحديث عن آيات الأرض (الجبال والأنهار والثمار)، وآيات النفس (علم الله بالأرحام والأحوال)، انتقلت الآيات إلى آيات الجو: البرق والسحاب والرعد؛ وهو انتقال تصاعدي في عالم الآيات يُعلي من مقام الإعجاز ويُعمّق التأمل.
الجمع بين الخوف والطمع نموذج للتوازن الإيماني:
كما أن البرق يجمع الخوف والطمع، كذلك ينبغي أن يكون المؤمن في علاقته مع الله؛ خائفاً راجياً في آن واحد دون أن يطغى أحد الجانبين على الآخر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
التوافق بين الوصف القرآني للسحاب والعلم الحديث:
وصف القرآن السحاب بـ"الثقال" يتوافق مع الحقائق العلمية الحديثة التي كشفت أن السحابة الرعدية يمكن أن تحمل مئات الملايين من الأطنان من الماء؛ وإنشاء الله هذه الكتل الضخمة في طبقات الجو دون دعامة تحتها من أعظم الآيات.
{خَوْفًا وَطَمَعًا} طباق معنوي:
ضدان متلازمان في مشهد واحد هو البرق؛ وهذا الجمع بين المتضادين يعكس دقة التصوير القرآني وعمقه في استثمار الظواهر الطبيعية لتربية النفس الإنسانية.
التعبير بـ{يُنشِئُ} دون "يأتي بالسحاب":
الإنشاء يعني الخلق والإيجاد من العدم؛ والتعبير به يؤكد أن إيجاد هذه السحب الثقيلة إنشاء جديد في كل مرة لا مجرد نقل لشيء موجود.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التأمل في ظاهرة البرق عبادة:
أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى أذكار خاصة عند رؤية البرق وسماع الرعد؛ فحين يرى المؤمن البرق يتذكر قدرة الله وخشيته وكذلك رجاء رحمته بالغيث.
قراءة آيات الكون بعين الإيمان:
الطبيعة مليئة بالدروس الإيمانية لمن فتح قلبه؛ فالبرق الذي يراه المادي ظاهرة فيزيائية، يراه المؤمن آية إلهية تذكّر بالخوف والرجاء في آن واحد.