بيان عذاب الكفار في الدارين:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 435)جامع البيانالطبري١٦/٤٣٥ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والضحاك: يخبر تعالى عن عاقبة المشركين الذين زين لهم مكرهم وصدوا عن السبيل؛ فلهم عذاب معجل في الحياة الدنيا بالقتل والأسر يوم بدر، وبالخزي والقوارع والنكبات التي تصيب ديارهم، {وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ}: أي أشد وأثقل وأدوم؛ لأنه لا انقطاع له ولا تخفيف، وعذاب الدنيا ينقطع بالموت، وعذاب الآخرة مخلد دائم.
تفسير {وَمَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ}:
قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/ 472)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٤٧٢: «أي ليس لهم أحد يقيهم عذاب الله ويدفعه عنهم أو يحميهم من سطوته وبأسه إذا حل بهم، كما قال تعالى: {فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ} [الفجر: 25-26]».
وروى الإمام الطبري عن السدي: «الواقي هو المانع والحامي الذي يمنع العذاب أن يصل إليهم، فلا أحد يمنع بأس الله إذا نزل بالظالمين».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
أَشَقُّ
اسم تفضيل من المشقة، وهي الجهد الشديد والتعب البالغ؛ وأشق: أثقل حملاً وأعظم نكالاً.
وَاقٍ
اسم فاعل من وقى يقي وقاية؛ والواقي هو الحامي والدافع للشر، وأصله "واقيٌ" حذفت ياؤه للتنوين في الاسم المنقوص.
خبر المبتدأ مرفوع بالضمة، ولم ينون لأنه ممنوع من الصرف للوصفية ووزن الفعل.
وَمَا
الواو حالية أو عاطفة، "ما" نافية تعمل عمل ليس أو مهملة.
لَهُم
جار ومجرور خبر مقدم.
مِّنَ اللَّهِ
متعلق بـ"واق" أو بحال محذوفة.
مِن وَاقٍ
"من" حرف جر زائد لتأكيد النفي والاستغراق، "واقٍ" مبتدأ مؤخر (أو اسم ما) مجرور لفظاً مرفوع محلاً بضمة مقدرة على الياء المحذوفة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ارتباط الآية بما قبلها:
بعد أن بيّن في الآية السابقة أن الذين كفروا زُيّن لهم مكرهم وصُدوا عن السبيل وأن من يُضلل الله فما له من هاد، جاءت هذه الآية لتبين الاستحقاق الجزائي لهذا الضلال؛ فلهم نكال الدنيا الملازم ثم نكال الآخرة الأشق.
التدرج التصاعدي في العذاب:
التدرج من عذاب الدنيا المنقضي إلى عذاب الآخرة الأشق ثم سلب أي وسيلة للنجاة أو الحماية بـ{وَمَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ}؛ إحكام في إغلاق كل منافذ الأمل أمام المعاندين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع استبعاد مضاعفة عذاب الآخرة:
قد يتوهم المعاند أن ما يحل به في الدنيا من مصائب يكفي في المكافأة، فردت الآية بأن عذاب الآخرة أشق لوجوه ثلاثة: أنه غير منقطع بالموت، وأنه يحيط بالظاهر والباطن، وأنه لا ناصر فيه ولا فدية تُقبل؛ والعدل الإلهي يقتضي مباينة الجزاء بين دار التكليف الفانية ودار الجزاء الباقية.
التوكيد بلام الابتداء في {وَلَعَذَابُ}:
دخول اللام على المبتدأ يفيد توكيد الخبر وترسيخ الحقيقة في وجدان السامع لقطع دابر الشك.
صيغة التفضيل في {أَشَقُّ}:
تفيد المبالغة في الثقل والفظاعة مقارنة بكل ما عرفه البشر من مشاق الآلام في الدنيا.
زيادة "من" الاستغراقية في {مِن وَاقٍ}:
تفيد استغراق النفي؛ أي لا يوجد أدنى واقٍ ولا أقل حامٍ يدفع عنهم من أمر الله شيئاً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استصغار شدائد الدنيا أمام هول الآخرة:
المؤمن حين يعلم أن عذاب الآخرة أشق، تصغر في عينه آلام الدنيا وابتلاءاتها؛ فيصبر على طاعة الله محتسباً، ويفر من أسباب سخطه.
اليقين بالافتقار إلى وقاية الله وحده:
لا وقاية حقيقية للعبد إلا برحمة الله وتوفيقه وطاعته؛ فكل ما عدا ذلك من أسباب الحماية المادية زائل لا يدفع من بأس الله شيئاً.