إنزال القرآن حكماً عربياً فاصلاً:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 444)جامع البيانالطبري١٦/٤٤٤ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والضحاك: {وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا}: أي كما أنزلنا الكتب على الرسل بلسان أقوامهم، أنزلنا إليك يا محمد هذا القرآن حكماً بين الناس، يفصل في الخصومات ويوضح الحلال والحرام، بلسان عربي مبين واضح لا لبس فيه ولا عوج.
التحذير القاطع من اتباع أهواء المشركين:
قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/ 475)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٤٧٥: «{وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم}: هذا وعيد شديد للأمة في شخص النبي صلى الله عليه وسلم، فإن النبي معصوم من اتباع أهوائهم، والمقصود تحذير العلماء والدعاة من بعده أن يداهنوا أهل الباطل أو يوافقوهم على ضلالاتهم بعد أن استبان لهم الحق من الوحي؛ {مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ}: أي لا ناصر ينصرك ولا دافع يقي عذاب الله عنك إن حدت عن صراطه».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
حُكْمًا
فصلاً وقضاءً بين الحق والباطل؛ والحكم هو ما يُحكم به ويُحتكم إليه.
عَرَبِيًّا
منسوب إلى العرب ولسانهم؛ وهو اللسان الفصيح المبين.
وَلِيٍّ
ناصر ومعين يتولى أمرك بالخير.
وَاقٍ
حامٍ ودافع يدفع عنك البأس والضر.
وَكَذَٰلِكَ
الواو استئنافية، الكاف حرف تشبيه وجر، "ذلك" اسم إشارة في محل جر متعلق بمحذوف مفعول مطلق نائب عن المصدر (إنزالاً مثل ذلك الإنزال).
أَنزَلْنَاهُ
فعل ماض مبني على السكون و"نا" فاعل والهاء مفعول به أول.
حُكْمًا
حال منصوبة بالفتحة (أو مفعول به ثانٍ).
عَرَبِيًّا
نعت لـ"حكماً" منصوب بالفتحة.
وَلَئِنِ
الواو عاطفة، اللام موطئة للقسم، "إن" حرف شرط جازم.
اتَّبَعْتَ
فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعل.
أَهْوَاءَهُم
مفعول به منصوب، والهاء مضاف إليه والميم للجمع.
بَعْدَمَا
"بعد" ظرف زمان منصوب متعلق بـ"اتبعت"، "ما" مصدرية أو موصولة.
جَاءَكَ
فعل ماض والكاف مفعول به، والفاعل مستتر أو "ما" التي بعد "من".
الواو عاطفة، "لا" لتأكيد النفي، "واقٍ" معطوف على لفظ "ولي" مجرور بكسرة مقدرة على الياء المحذوفة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إحكام التعقيب بعد ذكر إنكار الأحزاب:
لما ذكر في الآية السابقة أن من الأحزاب من ينكر بعضه، أعقب ذلك ببيان طبيعة هذا المنزل: إنه {حُكْمًا عَرَبِيًّا} محكماً لا يقبل المساومة ولا التنازل لإرضاء أهواء المختلفين.
صيغة الشرط الموطأ بالقسم:
{وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ}: تصدير التحذير بالقسم والشرط يفيد الحسم والقطع؛ بحيث يقطع طمع الكفار في أي تنازل مبدئي عن ثوابت الدين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة جواز وقوع النبي في اتباع الهوى:
الخطاب الموجه للنبي صلى الله عليه وسلم هنا هو من باب: "إياكِ أعني واسمعي يا جارة"؛ فالنبي معصوم بوحي ربه، لكن الصيغة جاءت هكذا لبيان خطورة اتباع الهوى من أي أحد كائناً من كان؛ فإذا كان هذا يقال لسيد ولد آدم مع عصمته، فما بال من دونه من أمته؟!
وصف القرآن بـ{حُكْمًا} مبالغة:
إطلاق المصدر "حكماً" على القرآن للمبالغة؛ كأنه تجسيد للعدل والقضاء والفصل، فلا يُقضى فيه بل هو الذي يَقضي.
المقابلة بين {الْعِلْمِ} و{أَهْوَاءَهُم}:
طباق بديع بين نور الوحي القائم على العلم واليقين، وظلمات الرغبات والتحزبات القائمة على الأهواء والظنون؛ لبيان أنه لا منزلة وسطى بين العلم والهوى.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استعلاء الداعية بالوحي على أهواء الجماهير:
أعظم فتنة تواجه أهل العلم والدعوة هي فتنة مجاراة الأهواء طلباً للرضا أو اتقاءً للعداوة؛ وتأتي هذه الآية سياجاً يحمي الداعية من السقوط في المداهنة.
العلم حجة تلزم صاحبها:
العلم بالله وبوحيه أمانة ومسؤولية؛ فمن خالف علمه كان إثمه أعظم وجزاؤه أغلظ من الجاهل.