البرهان البيولوجي والعقلي الأكبر على وجود الصانع المختار:
أخرج ابن جرير الطبري (16/ 323)مصدر غير محدد١٦/٣٢٣ وابن أبي حاتم والحاكم في "المستدرك" (وصححه) والترمذي (حديث رقم 3118)مصدر غير محددحديث رقم ٣١١٨ عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ} قال: «الدَّقَلُ، وَالفَارِسِيُّ، وَالحُلْوُ، وَالحَامِضُ».
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك والحسن قالوا في تفسير الآية: «أرض واحدة، وبقع متلاصقة متجاورة؛ هذه طيبة تنبت العنب والزرع والنخل، وهذه سبخة مالحة لا تنبت شيئاً، وهذه تنبت المر، وهذه تنبت الحلو، والتربة واحدة، والماء الذي تشرب منه واحد وهو ماء المطر أو النهر، والشمس والهواء واحد؛ ومع ذلك يفضل الله بعضها على بعض في الطعم، والشكل، واللون، والرائحة، والمنفعة؛ فلو كان التأثير للطبيعة والتربة والماء لما اختلفت، فدل هذا التنوع الباهر على أن لها رباً قادراً، صانعاً مختاراً، حكيماً مدبراً، يفعل ما يشاء ويخلق ما يريد».
تفسير {صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ}:
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «الصنوان: النخلات المجتمعات يخرجن من أصل واحد وجذر واحد؛ وغير صنوان: النخلات المتفرقات يخرج كل نخلة من أصل منفرد؛ والصنو في لسان العرب: الأخ الشقيق، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في العباس: «عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ» (رواه مسلم رقم 983)».
القراءات المتواترة في الآية الكريمة:
وقع في هذه الآية وجوه من القراءات المتواترة المنسجمة مع المعاني:
في {وَجَنَّاتٌ... وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ}:
قرأ الجمهور (نافع، عاصم، ابن كثير، أبو عمرو، ابن عامر، أبو جعفر): {وَجَنَّاتٌ... وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ} بالرفع على الابتداء أو العطف على "قِطَعٌ".
وقرأ حمزة والكسائي وخلف العاشر: {وَيُفَضِّلُ} بياء الغيبة إسناداً للفعل إلى اسم الجلالة السابق أو إلى الله تعالى.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
قِطَعٌ
جمع قِطعة، وهي البقعة والناحية من الأرض المتميزة عن غيرها في خواصها؛ مأخوذة من القطع.
مُّتَجَاوِرَاتٌ
اسم فاعل من تجاور يتجاور، وهي المتلاصقة جنباً إلى جنب لا يفصل بينها فاصل.
صِنْوَانٌ
جمع صِنْو (بكسر الصاد وسكون النون)، وهو النخلتان أو النخلات تخرجن من أصل واحد؛ والجمع يستوي فيه لفظ التثنية والجمع كقنوان وغربان.
الْأُكُلِ
الأُكُل (بضم الهمزة والكاف أو إسكانها): الثمر والمطعوم الذي يؤكل؛ مأخوذ من الأكل.
وَفِي الْأَرْضِ
الواو عاطفة، "في الأرض" جار ومجرور في محل رفع خبر مقدم.
قِطَعٌ
مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة.
مُّتَجَاوِرَاتٌ
نعت لـ "قطع" مرفوع بالضمة.
وَجَنَّاتٌ
معطوف على قطع مرفوع (وعلى قراءة الجر: معطوف على أعناب).
مِّنْ أَعْنَابٍ
جار ومجرور نعت لـ "جنات".
وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ
معطوفان على ما قبلهما بحسب القراءة (رفعاً أو جراً).
صِنْوَانٌ
نعت لـ "نخيل" مرفوع بالضمة (أو مجرور).
وَغَيْرُ
معطوف على صنوان مرفوع (أو مجرور) وهو مضاف.
صِنْوَانٍ
مضاف إليه مجرور بالكسرة.
يُسْقَىٰ
فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بضمة مقدرة، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على المذكور (أو هي على قراءة تسقى)، والجملة في محل نصب حال أو نعت.
بِمَاءٍ وَاحِدٍ
جار ومجرور ونعت متعلق بـ "يسقى".
وَنُفَضِّلُ
الواو عاطفة أو حالية، "نفضل" مضارع مرفوع والفاعل نحن (وعلى قراءة الياء: هو).
بَعْضَهَا
مفعول به أول منصوب و"ها" مضاف إليه.
عَلَىٰ بَعْضٍ
متعلق بـ "نفضل".
فِي الْأُكُلِ
متعلق بـ "نفضل".
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ
تقدم إعرابها نظير الآية السابقة.
لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
جار ومجرور ونعت، وجملة "يعقلون" صلة أو نعت لـ "قوم".
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التدرج من الآفاق العامة إلى التدقيق البيولوجي المحكم:
تدرج النظم القرآني تدرجاً مبهراً؛ فبدأ في الآية (2) بالسماوات العلى والشمس والقمر، ثم نزل في الآية (3) إلى بسط الأرض والجبال والأنهار وتتابع الليل والنهار، ثم دقق في الآية (4) في ذرات التربة والبقع المتجاورة والنباتات المتلاصقة ليغلق كل باب أمام المادية الصماء؛ فمن كان يظن أن الطبيعة وحدها هي التي تنتج، ألزمه القرآن ببرهان البقعة المتجاورة والماء الواحد والتفاوت في الطعم.
السر البلاغي في الختام بـ {يَعْقِلُونَ} بعد {يَتَفَكَّرُونَ}:
ختم الآية الثالثة بـ {لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} لأن مد الأرض وجريان الأنهار يستدعي "التفكر" والنظر الممتد؛ بينما ختم الآية الرابعة بـ {لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}؛ لأن التفاوت العجيب في الثمار مع اتحاد الأصل والتربة والماء يقتضي إعمال "العقل" الصارم والربط المنطقي الجازم بين الأثر ومؤثره، فالعقل يقطع فوراً باستحالة الفاعلية الذاتية للتربة ويثبت الصانع المختار.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
دحر التفسير المادي والصدفة العمياء:
هذه الآية الكريمة هي الصخرة التي تتحطم عليها الفلسفة المادية وفكرة "الصدفة والطبيعة"؛ فالطبيعة بقوانينها الفيزيائية لو كانت تعمل ذاتياً وعشوائياً لأنتجت نتائج متماثلة عند اتحاد المدخلات؛ فإذا كانت التربة متلاصقة، والشمس واحدة، والهواء واحداً، والماء بتركيبه الكيميائي واحداً، فمن أين جاء هذا الاختلاف الهائل بين الحلاوة والحموضة، والأصباغ، والروائح، والإنزيمات؟ إنه الاختيار الحكيم لرب العالمين: {وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ}.
ضرب المثل بالقلوب وطبائع البشر:
استنبط الإمام الحسن البصري وابن القيم من هذه الآية دلالة عقلية إشارية باهرة: فهذه الأرض المتجاورة تمثل قلوب بني آدم؛ تتنزل عليها مياه الوحي الواحدة والقرآن الواحد؛ فمنها قلب طيب يثمر الإيمان والإحسان ومكارم الأخلاق، ومنها قلب خبيث سبخ لا يثمر إلا الشوك والضلال؛ والماء واحد والوحي واحد ولكن القوابل تتفاوت.
المقابلة البديعة بين {صِنْوَانٌ} و{غَيْرُ صِنْوَانٍ}:
تجسيد لدقة القدرة الإلهية؛ فنخلتان من عرق واحد وجذر واحد، إحداهما قد تكون بلحاً حلواً والأخرى أقل جودة، وتلك مفارقة تخرس ألسنة أصحاب التفسير المادي.
التعبير بضمير العظمة {وَنُفَضِّلُ}:
لبيان أن التفاضل والتنويع فعل مقصود متعمد من الله تعالى لإظهار قدرته وإسعاد خلقه بتنوع المطعومات.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استعمال البراهين المشهودة في دعوة الملحدين:
تضع الآية منهجاً علمياً للدعوة؛ بمخاطبة العقل عبر المحسوسات اليومية؛ فالطعام الذي نأكله وثمار الفاكهة في موائدنا براهين حية ناطقة بوجود الله وحكمته.
مراعاة الفروق الفردية في التربية:
كما تتفاوت الثمار والأشجار مع اتحاد الماء، كذلك تتفاوت مواهب البشر وطاقاتهم وعقولهم، والمربي الحكيم هو من يستثمر كل طاقة فيما هيأت له ولا يقسر الناس على قالب واحد.