مكر الأمم السابقة ومكر الله الغالب:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 464)جامع البيانالطبري١٦/٤٦٤ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والضحاك: يخبر تعالى أن كفار مكة ليسوا أول من مكر بالحق وبالرسل؛ فقد مكرت الأمم السابقة كعاد وثمود وقوم نوح برسلهم كيداً وعدواناً، فأحبط الله مكرهم ورد كيدهم في نحورهم؛ {فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا}: أي لله التدبير الأعلى والقدرة النافذة على إبطال مكر الماكرين ومجازاتهم عليه من حيث لا يحتسبون.
إحاطة العلم وجزاء العقبى:
قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/ 480)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٤٨٠: «{يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ}: لا يخفى عليه خافية من مكائدهم وسرائرهم؛ {وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ}: تهديد ووعيد شديد؛ سيعلمون عند معاينة العذاب لمن تكون العاقبة المحمودة والنصر في الدنيا والآخرة: ألرسول الله وأتباعه أم للمكذبين به؟!».
القراءات المتواترة في {الْكُفَّارُ}:
قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف: {الْكُفَّارُ} بالجمع وألف بعد الفاء.
وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر: {الْكَافِرُ} على الإفراد والمراد به الجنس أو كافر معين كأبي جهل.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
مَكَرَ
المكر: التدبير الخفي لإلحاق السوء بالغير؛ ومكر الله: استدراجه للظالمين ومجازاتهم على مكرهم بالحق من حيث لا يشعرون.
تَكْسِبُ
تعمل وتجني من خير أو شر.
عُقْبَى الدَّارِ
العاقبة الحسنة والمآل النهائي المحمود في الدار الآخرة.
وَقَدْ
الواو استئنافية، "قد" حرف تحقيق.
مَكَرَ
فعل ماض مبني على الفتح.
الَّذِينَ
اسم موصول في محل رفع فاعل.
مِن قَبْلِهِمْ
متعلق بمحذوف صلة الموصول.
فَلِلَّهِ
الفاء واقعة في جواب مقدر أو استئنافية، اللام حرف جر، لفظ الجلالة مجرور والجار والمجرور خبر مقدم.
الْمَكْرُ
مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة.
جَمِيعًا
حال منصوبة بالفتحة (أو توكيد معنوي).
يَعْلَمُ
فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره هو، والجملة مستأنفة مقررة لما قبلها.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إبطال مؤامرات الكفار بالاستناد إلى رصيد التاريخ:
تسلية للنبي والمؤمنين من مكر قريش وتدبيرهم في دار الندوة؛ بربط حاضرهم بماضي المكذبين، وبيان أن مصير كل مكر معادٍ للحق هو البوار أمام مكر الله المحيط.
الارتباط التناظري بآية السورة المركزية:
قوله: {يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ} يطابق ويتكامل مع قوله في الآية 33: {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ}؛ مما يبرهن على التناسق العضوي الباهر للسورة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
بيان معنى نسبة المكر إلى الله تعالى:
المكر في أصله تدبير خفي؛ فإذا كان من المخلوق لإبطال الحق فهو مذموم، وإذا كان من الله للرد على الماكرين وإحقاق العدل ومجازاتهم بجنس عملهم فهو صفة مدح وكمال مطلق تليق بجلاله؛ فالمكر الإلهي مكر حق وعدل لا مكر ظلم وخديعة باطلة.
أسلوب الحصر بتقديم الجار والمجرور وإطلاق {جَمِيعًا}:
{فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا}؛ تقديم الخبر "فلله" مع لفظ "جميعاً" ينفي أن يملك أحد من الخلق مكراً حقيقياً نافذاً؛ فكل كيد بشري خاضع لمشيئة الله وتقديره ومصيره إلى الإحباط.
التهديد والوعيد بحرف السين في {وَسَيَعْلَمُ}:
دخول السين يدل على قرب تحقق هذا العلم عند حلول الأجل وانكشاف الغطاء يوم القيامة؛ وهو تهديد أبلغ من التصريح بالعذاب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
طمأنينة المؤمنين في مواجهة مكائد الأعداء:
حين يوقن الداعية أن لله المكر جميعاً، لا يرهبه تخطيط المتربصين ولا مكر الليل والنهار؛ فكيدهم ضعيف ومردود في نحورهم ما دام معتصماً بربه.
مراقبة الكسب والجوارح:
{يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ}: يورث القلب مراقبة دائمة في الحركات والسكنات؛ فكل خاطرة ومكيدة وعمل مدون ومحاسب عليه.