تحديد وظيفة الرسول وحتمية الحساب الإلهي:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 457)جامع البيانالطبري١٦/٤٥٧ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والضحاك والسدي: يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: إما أن نريك يا محمد في حياتك بعض ما نعد هؤلاء المشركين المكذبين من الخزي والنكال والقتل والأسر كبدر والفتح، أو نتوفينك قبل أن ترى ذلك فيهم؛ فليس ذلك إليك ولا مما كُلفت به، وإنما وظيفتك الوحيدة التي أرسلناك بها هي إبلاغ رسالة ربك، وعلينا وحدنا حسابهم وجزاؤهم على أعمالهم في الآخرة.
قاعدة البلاغ والحساب:
قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/ 478)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٤٧٨: «{فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ}: كقوله تعالى: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ} [الغاشية: 21-22]؛ أي ما أرسلناك لتجبرهم على الإيمان ولا لتعاقبهم، بل لتبلغهم أمر الله، وحسابهم على الله لا يظلمهم مثقال ذرة».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
نُرِيَنَّكَ
نريك بالبصر أو بالبصيرة؛ والنون للتوكيد الثقيلة.
نَتَوَفَّيَنَّكَ
نقبض روحك وننهي أجلك في الدنيا.
الْبَلَاغُ
التبليغ والإيصال التام للرسالة.
الْحِسَابُ
إحصاء الأعمال ومجازاة أصحابها عليها بالعدل.
وَإِن
الواو استئنافية، "إن" حرف شرط جازم.
مَّا
زائدة لتأكيد معنى الشرط وإيذان بدخول نون التوكيد على الفعل.
نُرِيَنَّكَ
فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل جزم فعل الشرط، والفاعل مستتر تقديره نحن، والكاف مفعول به أول.
بَعْضَ
مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة.
الَّذِي
اسم موصول في محل جر مضاف إليه.
نَعِدُهُمْ
فعل مضارع وفاعله ومفعوله، والصلة لا محل لها.
أَوْ
حرف عطف يفيد التقسيم والترديد.
نَتَوَفَّيَنَّكَ
معطوف على "نرينك" مبني على الفتح في محل جزم.
فَإِنَّمَا
الفاء رابطة لجواب الشرط، "إنما" كافة ومكفوفة أداة قصر وحصر.
عَلَيْكَ
جار ومجرور شبه جملة خبر مقدم.
الْبَلَاغُ
مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة.
وَعَلَيْنَا
الواو عاطفة، شبه جملة خبر مقدم.
الْحِسَابُ
مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
فصل المهام وإراحة قلب النبي صلى الله عليه وسلم:
جاء هذا التقسيم الحاسم ليفصل بين مقام النبوة المكلَّف بالبلاغ، ومقام الربوبية المختص بالقضاء والحساب؛ ليرفع عن كاهل النبي عبء انتظار النتائج العاجلة أو الحزن على إعراض المعاندين.
المقابلة الإعرابية والمعنوية البديعة:
المقابلة بين {عَلَيْكَ الْبَلَاغُ} و{عَلَيْنَا الْحِسَابُ}؛ جملتان اسميتان متناظرتان في التركيب، تُقرران تمايز الحقوق والواجبات بين الخالق والرسول.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع توهم استعجال النصر كشرط لصدق النبوة:
كان المشركون يقولون: إن كنت صادقاً فأين العذاب الذي تعدنا به؟ فأبطلت الآية هذا المنطق السقيم: نصر الدعوة وحساب المكذبين ليسا رهينين بحياة النبي الشخصية، بل هما من شأن الله يجريها كيف شاء في حياته أو بعد مماته؛ وقد أراه الله مصارعهم في بدر ومكن له في فتح مكة قبل وفاته.
أسلوب القصر بـ{إِنَّمَا} وتقديم الخبر:
قصر واجب النبي على البلاغ بـ"إنما" مع تقديم الجار والمجرور {عَلَيْكَ}؛ للتأكيد والحصر والتجريد، ونفي أي سلطة تحكمية أو مسؤولية حسابية عنه.
التأكيد بنون التوكيد في الشرطين:
{نُرِيَنَّكَ} و{نَتَوَفَّيَنَّكَ}؛ لتقوية احتمال وقوع الأمرين ودلالة على أن كلا المصيرين محقق الحدوث في علم الله وحكمته.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحرير الداعية من عقدة رؤية الثمار السريعة:
واجب الداعية هو غرس البذور وبلاغ الحق بالحكمة والموعظة الحسنة، وليس عليه أن يشهد حصاد نصره أو هلاك أعدائه؛ فحساب الناس وجزاؤهم موكول إلى الله وحده.
استشعار ثقل الأمانة في التبليغ:
حين يعلم المؤمن أن عليه البلاغ فحسب، يجتهد في تجويد أدائه وتبرئة ذمته أمام الله دون إحباط من قلة المستجيبين.