الآية تتويج لوصف الإحاطة العلمية:
قال ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 344)جامع البيانالطبري١٦/٣٤٤: «هذه الآية خبر عن الله تعالى بأنه عالم ما غاب عن الأبصار والحواس، وما شوهد وحضر؛ والكبير: ذو الكبرياء الذي لا شيء أعظم منه؛ والمتعال: المستعلي فوق كل شيء بقدرته وقهره وجبروته».
{الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ} من أسماء الله الحسنى:
قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/ 438)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٤٣٨: «{الْكَبِيرُ}: العظيم الذي كل شيء دونه، وكل كبير بالإضافة إليه حقير صغير؛ {الْمُتَعَالِ}: المتعالي عن النظير والكفؤ والمثيل والند، المستعلي على جميع خلقه بالقهر والسلطان والقدرة».
قال الإمام السعدي في "تيسير الكريم الرحمن" (ص444)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٤٤٤: «جمعت هذه الأسماء الثلاثة: إحاطة علمه بالغيب والشهادة، وكماله في ذاته وصفاته، وعلوه واستواءه على عرشه فوق جميع مخلوقاته».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
الْغَيْبِ
كل ما غاب عن الحواس ولا تصل إليه إدراكاً مباشراً.
الشَّهَادَةِ
كل ما يُشهد ويُرى ويُدرك بالحواس.
الْكَبِيرُ
ذو الكبرياء والعظمة المطلقة في ذاته وصفاته.
الْمُتَعَالِ
اسم فاعل من تعالى يتعالى؛ وأصله المتعالي حُذفت ياؤه لأنه منقوص ووقع فاصلة؛ وفيه معنيان: علو القدر والمكانة، وعلو الذات بالاستواء على العرش.
عَالِمُ
خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هو عالم؛ أو نعت أو بدل من اسم الجلالة في الآية السابقة، مرفوع.
الْغَيْبِ
مضاف إليه مجرور.
وَالشَّهَادَةِ
معطوف على "الغيب" مجرور.
الْكَبِيرُ
نعت أو خبر ثانٍ مرفوع.
الْمُتَعَالِ
نعت أو خبر ثالث مرفوع بضمة مقدرة على الياء المحذوفة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التتويج بعد الاستدلال:
جاءت الآية تتويجاً لسياق الآيات من الأولى إلى الثامنة؛ فبعد أن ذكر الله خلق السماوات والأرض والثمار وإحاطة علمه بالأرحام، جاء الختم بهذه الأسماء الجليلة ليقرر أن كل ذلك صادر عن "عالم الغيب والشهادة" الكبير المتعال.
الإيجاز البليغ:
ثلاثة أسماء في آية واحدة قصيرة تستوعب كل جوانب الكمال الإلهي: الإحاطة العلمية، والكبرياء الذاتية، والعلو المطلق.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة التشبيه في صفة الكبر والعلو:
الكبر والعلو صفتان ثابتتان لله على الوجه الذي يليق بجلاله؛ لا تشبهان كبر المخلوق أو ارتفاعه المكاني؛ فالله كبير بكبريائه الحقيقي غير المتناهي، ومتعالٍ علواً حقيقياً لائقاً بذاته؛ وقد أجمع أهل السنة والجماعة على وصفه بصفة العلو الذاتي والصفاتي دون تمثيل أو تعطيل.
التقابل بين {الْغَيْبِ} و{الشَّهَادَةِ}:
الطباق المعنوي بين الغيب والشهادة يستوعب الوجود كله في قطبيه؛ فلا يخرج شيء من الوجود عن علم الله سواء أكان محسوساً أم مغيباً.
توالي الأسماء بلا عطف (الأسلوب التعديدي):
جاءت {الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ} بلا حرف عطف بينهما؛ وهو أسلوب الاستئناف بالنعت للتأكيد المتراكم والدلالة على أن كل اسم مستقل في دلالته ومعناه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استشعار عظمة الله في كل لحظة:
حين يستحضر المؤمن أن ربه "الكبير المتعال" لا تخفى عليه خافية، ينتج ذلك في قلبه هيبة عظيمة تصرف عن المعاصي في الخلوات وتدفع إلى الإخلاص في العبادات.
التواضع والخشوع أمام الكبير المتعال:
كبرياء الله المطلق يستوجب من العبد كمال التواضع وإلقاء التعاظم؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا أَلْقَيْتُهُ فِي النَّارِ» (رواه أبو داود وابن ماجه).