التعجيب الإلهي من إنكار البعث:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 328)جامع البيانالطبري١٦/٣٢٨ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والضحاك والحسن البصري: يقول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وإن تعجب يا محمد من تكذيب هؤلاء المشركين وإعراضهم عن الحق بعد ما عاينوا من الآيات الكونية العظيمة في رفع السماوات ومد الأرض وتنوع الثمار، فإن العجب الحقيقي الذي يحق لكل عاقل أن يعجب منه هو قولهم وإنكارهم للمعاد: {أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ}؟!
قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/ 434)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٤٣٤: «أي إن تعجب من عقول هؤلاء المشركين في عبادتهم للأحجار الصماء، فإن عجبك من إنكارهم للبعث أشد وأولى؛ لأن من قدر على ابتداء خلق السماوات والأرض وما بينهما، قادر على إعادة خلق الأجساد من باب أولى، فالإعادة أهون في القياس العقلي من الابتداء، كقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} [الروم: 27]».
جزاء منكري البعث في الدنيا والآخرة:
أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن البصري في قوله: {وَأُولَٰئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ}: «غلّت أيديهم وأعناقهم بالضلالة عن الهدى في الدنيا، وأما في الآخرة فهي أغلال جهنم وسلاسلها الحقيقية التي يُسحبون بها في الحميم ثم في النار يُسجرون».
القراءات المتواترة في الاستفهامين:
هذه الآية من مواضع الاستفهام المزدوج في القرآن، واختلفت القراءات العشر المتواترة فيها:
قرأ نافع والكسائي ويعقوب: بهمزة الاستفهام في الأول وكسر الهمزة في الثاني بلا استفهام: {أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا إِنَّا}.
قرأ ابن كثير وأبو عمرو: بالإخبار في الأول والاستفهام في الثاني: {إِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا}.
قرأ عاصم وحمزة وابن عامر وأبو جعفر وخلف العاشر: بالاستفهام في الموضعين معاً: {أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا}؛ مع تسهيل أو تحقيق أو فصل بألف بحسب أصول كل قارئ.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
تَعْجَبْ
العجب انفعال نفسي يعتري الإنسان عند رؤية ما يخرج عن المألوف؛ وعجب الله تعالى هو إنكاره الشديد على وجه يليق بجلاله.
الْأَغْلَالُ
جمع غُلّ (بضم الغين)، وهو القيد الذي يجمع العنق واليدين معاً للتنكيل، وسمي غُلاً لأنه يُدغل في الجسد.
أَصْحَابُ النَّارِ
ملازموها ومستحقو الخلود فيها أبداً.
۞ وَإِن
الواو استئنافية، "إن" حرف شرط جازم.
تَعْجَبْ
فعل مضارع مجزوم فعل الشرط والفاعل مستتر تقديره أنت.
فَعَجَبٌ
الفاء رابطة لجواب الشرط، "عجبٌ" خبر لمبتدأ محذوف تقديره: فالأمر عجب، وساغ الابتداء بالنكرة لأنها في موضع التعظيم.
قَوْلُهُمْ
مبتدأ مؤخر أو فاعل للمصدر "عجب" سد مسد الخبر، والهاء مضاف إليه والميم للجمع.
أَإِذَا
الهمزة للاستفهام الإنكاري، "إذا" ظرف لما يُستقبل متضمن معنى الشرط.
كُنَّا تُرَابًا
فعل ماض ناسخ واسمه، "تراباً" خبر كان منصوب، والجملة في محل جر بالإضافة لـ"إذا".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إحكام المحاكمة العقلية في النظم:
سرد الله في الآيات الأربع السابقة قصة الخلق في الآفاق: السماء، والأرض، والجبال، والثمار؛ ثم نقل الخطاب إلى مقالة المنكرين: {أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ}، فبيّن أن من عاين تلك المشاهد العظيمة ثم توقف عند إعادة التراب بشراً سوياً، فهو في غاية السفه العقلي الذي يوجب العجب.
تكرار اسم الإشارة {أُولَٰئِكَ} ثلاث مرات:
{أُولَٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا... وَأُولَٰئِكَ الْأَغْلَالُ... وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ}؛ التكرار يهدف إلى تقريعهم وتجسيد قبح أفعالهم وتثبيت كل عقوبة على ذواتهم، كأن كل صفة مستقلة تستوجب إشارة خاصة للتنديد بهول مصيرهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع استبعاد إعادة الأجساد بعد صيرورتها تراباً:
شبهة منكري البعث تنبني على افتراضين فاسدين: العجز عن جمع الأجزاء المتفرقة، والجهل بمواضعها؛ والقرآن يرد على الأمرين: فعلم الله محيط بكل ذرة: {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ} [ق: 4]، وقدرته أوجدت الكون من العدم المحض؛ وإعادة المتفرق من أصله الترابي أيسر في القياس من خلقه أول مرة بلا أصل؛ فالإنكار بعد ذلك محض عناد وجحود.
التنكير في {عَجَبٌ}:
للتفخيم والتعظيم؛ أي عجب بالغ الغاية في الغرابة والخروج عن مقتضى العقل السليم.
التنكير في {خَلْقٍ جَدِيدٍ}:
للنوعية؛ يستبعدون أن يتجدد لهم خلق ونشأة أخرى بعد فنائهم واستحالتهم تراباً.
التشبيه البليغ في {أُولَٰئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ}:
صوّر الكفر والضلال بأغلال حسية في الأعناق تقييداً للحركة وسلباً للحرية؛ وهو من أبلغ التصوير لحال الكافر المكبَّل عن رؤية الحق.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
مركزية عقيدة البعث في ضبط السلوك:
إنكار البعث هو الجذر الحقيقي لكل فساد وطغيان؛ فمن اعتقد أنه يموت ويتحول إلى تراب بلا حساب، تجرأ على المظالم والشهوات؛ ولذلك ربط القرآن بين الكفر بالمعاد وغل الأعناق بالنار.
استعمال العقل في تثبيت العقائد:
القرآن يخاطب العقول السليمة ويحاكم المنكرين بموازين المنطق والبداهة؛ فلا إيمان بغير تدبر، ولا يقين بغير عقل.