دفع شبهة بشرية الرسل وزواجهم:
أخرج ابن جرير الطبري (16/ 447)مصدر غير محدد١٦/٤٤٧ وابن أبي حاتم عن مجاهد وقتادة والضحاك: عاب المشركون واليهود على النبي صلى الله عليه وسلم كثرة أزواجه وقالوا: ما لهذا الرجل همة إلا النساء، لو كان نبياً لشغله أمر النبوة عن ذلك! فأنزل الله رداً عليهم: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً}؛ كداود وسليمان وإبراهيم عليهم السلام، ولم يمنعهم ذلك من كمال النبوة والقيام بالرسالة.
حقيقة الآيات والمعجزات {وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ}:
قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/ 476)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٤٧٦: «أي ليس في قدرة أحد من الرسل أن يأتي قومه بآية خارقة اقترحوها إلا بعد أن يأذن الله فيها ويأمر بها؛ فالرسل عباد مربوبون ليس لهم من الأمر شيء».
تفسير {لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ}:
قال السعدي في "تيسير الكريم الرحمن" (ص464)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٤٦٤: «أي لكل وقت ومدة حد مكتوب وأجل مقدر لا يتقدم عنه ولا يتأخر؛ فنزول الآيات وبعثة الرسل واستئصال الأمم كلها موقوتة بأوقات يعلمها الله ومثبتة في كتابه».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
أَزْوَاجًا
جمع زوج؛ ويطلق على الذكر والأنثى؛ والمراد هنا النساء اللاتي تزوجهن الرسل.
ذُرِّيَّةً
النسل والأولاد والأحفاد.
أَجَلٍ
المدة المحددة والغاية المقدرة للشيء.
كِتَابٌ
أجل مكتوب ومحكوم به في اللوح المحفوظ.
وَلَقَدْ
الواو عاطفة، اللام واقعة في جواب قسم مقدر، "قد" حرف تحقيق.
أَرْسَلْنَا
فعل ماض مبني على السكون، و"نا" فاعل.
رُسُلًا
مفعول به منصوب بالفتحة.
مِّن قَبْلِكَ
متعلق بمحذوف نعت لـ"رسلاً".
وَجَعَلْنَا
معطوف على "أرسلنا".
لَهُمْ
متعلق بـ"جعلنا".
أَزْوَاجًا
مفعول به أول (أو مفعول به إن كانت جعل بمعنى خلق).
وَذُرِّيَّةً
معطوف على "أزواجاً" منصوب.
وَمَا كَانَ
الواو استئنافية، "ما" نافية، "كان" فعل ماض ناسخ ناقص.
لِرَسُولٍ
جار ومجرور خبر كان مقدم.
أَن يَأْتِيَ
"أن" مصدرية، "يأتي" مضارع منصوب، وفاعله مستتر، والمصدر المؤول في محل رفع اسم كان مؤخر.
بِآيَةٍ
متعلق بـ"يأتي".
إِلَّا
أداة استثناء مفرغ وحصر.
بِإِذْنِ اللَّهِ
جار ومجرور في محل نصب حال، "الله" مضاف إليه.
لِكُلِّ
جار ومجرور خبر مقدم، "كل" مضاف.
أَجَلٍ
مضاف إليه مجرور بالكسرة.
كِتَابٌ
مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إبطال أصلين من أصول طعن الكفار في نبوته:
أبطلت الآية طعنين متكررين:
طعنهم في بشريته وميله الطبيعي للزواج والنسل.
تعنتهم في طلب معجزات خاصة يحددونها هم؛ فبينت أن الرسل كلهم بشر لهم أزواج وذرية، وأن الآيات بيد منشئها لا باختيار المبلغين.
الختام بقاعدة {لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ}:
ختم جامع يقطع كل استعجال وكل اعتراض؛ فكل حدث من إنزال آية أو تأخير عقوبة له أجل مضروب لا يتعداه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع بدعة الرهبانية وتشويه مفهوم القداسة:
كان في تصور أهل الضلال أن القداسة لا تجتمع مع الحياة الطبيعية من زواج وبنين؛ فجاء القرآن ليصحح الفطرة: كمال الإنسانية في طاعة الله في ظل الفطرة التي فطر الناس عليها، والرسل هم أكمل الناس ديناً وأكملهم ممارسة للحياة الإنسانية المشروعة.
أسلوب الحصر في {إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ}:
قصر الإتيان بالمعجزات على الإذن الإلهي يبرز عبودية الرسل لله وانعدام أدنى دعوى للألوهية أو التحكم في الكون من قبلهم.
التنكير في {كِتَابٌ}:
يفيد التعظيم والإحكام؛ أي كتاب مقدر محكم لا يتبدل ولا يسقط منه شيء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
مشروعية الزواج وتكوين الأسرة الصالحة:
الزواج وإنجاب الذرية الصالحة سنة الأنبياء والمرسلين؛ والتدين الحق لا يتعارض مع الاستمتاع بما أحل الله من الطيبات بل هو عبادة إذا اقترن بالنية الصالحة.
الطمأنينة إلى التوقيت الإلهي للأحداث:
{لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ}: يغرس في نفس المؤمن هدوءاً وثباتاً؛ فلا يستعجل نصراً ولا يقنط من تأخر فرج، فكل شيء عند الله بميقات محدد.